الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / آية الأتاسي: حمص ‘قدسنا’ وإليها سنعود

آية الأتاسي: حمص ‘قدسنا’ وإليها سنعود

‘أحسست أنني في يوم الحشر ولكن بلا عدالة ولا حساب، والناس كالحجيج في عرفة ولكن لا حجارة قائمة ليطوفوا أشواطهم السبعة حولها ولا مياه زمزم في أرض يباب’، بهذه العبارة وصف لي صديقي الحمصي ما شاهده في حمص القديمة بعد خروج الثوار منها. آية الأتاسي
جملة يتيمة واختنق صوته، ففي حضرة الموت يغيب الكلام.
وفي حضرة صمتهم أمام نافذتي الافتراضية المشرعة من بعيد، تعود الذكريات مرة وتلح الأسئلة حارقة…
ماذا بقي من حمص وماذا بقي من بيوتها وماذا بقي من وعد الحرية؟
‘عندما رأيت ‘ساحة الحرية’ ممتلئة بشبيحة النظام وجنوده، يعربدون في المكان الذي ولدت فيه ثورتنا، لم أستطع أن أحبس دموعي، نظرت إلى الساعة فوجدتها بلا عقارب وكأن الزمن توقف في الساحة عند اعتصام الساعة. وكأن الساعة المضبوطة على الحرية، توقفت ولن تعود للدوران ما دامت الحرية بعيدة المنال ومادامت دماء الشهداء على الأرصفة ساخنة لم تبرد’، هذا ما أخبرتني به صبية حمصية عن زيارتها الأولى لساحة الحرية، بعد شهور طويلة من استحالة العبور إليها بسبب الحصار المفروض على الأحياء القديمة.
حكت لي عن وجوه الجنود المتوجسة من أن يعود الناس للتجمع والاعتصام من جديد في الساحة الرمز وكأن حمص شبح يلاحقهم حتى في أشد لحظات انكسارها. فانكسار حمص لا يعني هزيمتها، لأنها صارت فكرة ورمزاً ولم تعد مجرد مدينة، والمهزوم حقاً هو نظام حارب وجوَّع وقصف بضع مئات من مقاتلين لا يملكون إلا أسلحة بدائية، وليخرجوا بالنهاية أحياءً، جائعين بحق للطعام ولكنهم أكثر جوعاً للحرية وأشد تصميماً على النصر.
ومع كل محاولات النظام لتشويه صورة الثورة والصاق صفة الإرهابيين الأجانب على المقاتلين في حمص القديمة، كانت وجوه الخارجين من حصار السنتين، وجوهاً حمصية بامتياز. وربما أبرزها وأكثرها حضوراً وشهرة ‘الساروت’، حارس مرمى فريق الكرامة الحمصي، والذي حولته الثورة إلى حارس للمدينة وكرامة أهلها. الفيديوهات التي كانت تتسرب للساروت ورفاقه من قلب حمص، بلكنتهم الحمصية وقدرتهم على الغناء رغم قساوة العزلة والحصار، هي أكبر دليل على كذب آلة الاعلام الأسدية وتزويرها للحقائق الدامغة. فحمص كانت وستبقى عاصمة للثورة، وأبناؤها ليسوا ارهابيين بل هم ثوار حقيقيون وأبطال من لحم ودم يحملون البندقية على أكتافهم ولا يضعونها جانباً إلا في لحظة استراحة خاطفة، لترقص الروح على أنغام ‘يلعن روحك يا حافظ’ بنفس المتعة التي ترقص بها على أغنية حب شجية.
وقد يكون من أجمل مشاهد ومقاطع الفيديو، والغائبة طبعاً عن إعلام السلطة الأسدية، مشهد الأم الحمصية وهي تستقبل ابنها العائد بعد سنتين من الحصار. تقف على الرصيف تنتظر الحافلة الخضراء المحملة بأبناء الثورة الأحياء، وعندما ترى ابنها تختلط دموعها بصوتها وهي تقول له بلهجة حمصية: انزال يا أمي انزال.
وكأنها تقول له: الأن يحق لك أن تخفض رأسك العالي يا ولدي، فللأمهات وحدهن تنحني الرؤوس المنذورة للعزة والإباء.
ومن خلفها كانت النسوة يزغردن زغرودة الأعراس الحمصية، التي صارت زغرودة بكلمات الثورة وعرسانها الثوار. أما العرس فمؤجل ليوم الحرية، ولتسمعي يا حجارة حمص السوداء ولتسمعي يا سماءها الممتلئة بالشهداء.
هذه زغرودتنا الحمصية في زمن الحصار والخذلان والانتظار:
ها يا ثوار حمص ياما نحنا
ها ولولاكم كنا هلكنا
وها هالأعادي داستنا
ها هاتوا رأسكم لنبوسوا
ونحلف بعمرنا ما لح نهزم
زغرودة لا تنتهي إلا لتبدأ زغرودة أخرى مرتجلة تصدح بها حنجرة النسوة الحمصيات:
ها وزرعنا رمانة
ها حامضة لفانة
ها وحلفنا ما نذوقها
ليجوا ثوار حمص بالسلامة.
وثوار حمص خرجوا بالسلامة ولكنهم كتبوا على ما تبقى من جدران المدينة: خرجنا لنأكل وسنعود.
خرجوا في حافلات إلى ريف حمص الشمالي، وصورتهم الكاميرات وهم لا يحملون على ظهورهم إلا بنادقهم. بعد أن تركوا بيوت حمص القديمة على حالها، لم يسرقوا ولم ينهبوا ما اعتبروه أمانة في أعناقهم. وحدها أمعاؤهم الجائعة قادتهم لمونة المنازل وأنبوبة الغاز الممتلئة من أجل طهي الطعام والبقاء على قيد حياة وثورة. حكى الكثير من الحماصنة عن مصاغهم المحفوظة وثيابهم المطوية في الخزائن والتي لم تمسها أيدي الثوار، بقيت مكانها مغبرة ومتعفنة ولكنها مطوية على مقاس أصحابها.
وما أن غادر الثوار حمص القديمة واقتحمتها جحافل جيش النظام المسعورة حتى خلت البيوت، أو ما بقي قائماً منها، من كل أغراضها ومتاعها. واعتبر في عداد المحظوظين، من تمكن من استعادة بعض من أشيائه، قبل دخول قطعان الشبيحة التي استولت على كل ما بقي قابلاً للاستعمال والحياة. إلا الكتب بقيت مرمية تحت الأنقاض، فمن يلتهم لحم البشر ويسرق بيوتهم وتاريخهم، لا يحتاج لثقافة تعيده لحضارة الانسان.
روى أقارب لي بكثير من الأسى والحزن، عن مشاهد العائدين من منازلهم المهدمة وفي يد كل منهم غطاء أشبه ما يكون بالكفن. كفن يجمع أشياء متفحمة ومكسورة ومغبرة ولكنها تختصر حياة بأكملها. ففي لحظات الاحتضار الأخيرة للبيوت والماضي يكفي فنجان قهوة صغير محروق، مجفف شعر أزرق معطل، عجلة دراجة محطمة، ليؤرخ الانسان لعمر بأكمله.
وأوقات اللقاء والوداع، يصبح كل تفصيل صغير من الماضي له طعم ورائحة خاصة تشي بأصحابه الحقيقيين وحكايتهم.
أما البرادات وفناجين القهوة وأسياخ اللحم المسروقة فستبدو مزيفة في حضرة سارقي التاريخ والمدن. فللبيوت حرمات وللذاكرة أقفال، ومن يدنس شرف البيوت ومن يقتلع أقفال الذاكرة تلاحقه لعنة أصحابها حتى الممات.
حمص أبواب وأسرار لا يعرفها إلا سكانها…
وحدها حجارتها تسقط واقفة، ووحدها وجوه سكانها تشع وهي شاحبة، ووحدها أشجارها تميل ولا تكسر.
ووحدها قطط بيوتها تتقمص أرواح أصحابها الحمصية وتعيش بسبعة أرواح وأكثر، ففي واحدة من معجزات ‘حمص ما بعد الحصار’، قصة سيدة عادت إلى بيتها في جورة الشياح ووجدته عارياً من كل شيء، لا باب ولا نافذة تستر عورة البيت وخصوصياته. عندما استدارت تريد الخروج وهي تنتحب على شقاء العمر، سمعت مواء قطتها تنتظرها تحت السرير، وكأنها تحت الحصار كانت تحرس ذكريات البيت وأسرار سكانه بانتظار عودتهم لبيوتهم سالمين.
كان حال الكثيرين ممن عادوا إلى بيوتهم بعد 200 يوم من الحصار والدمار، كحال عاشق ترك حبيبته الجميلة وعندما عاد بعد شهور وجدها مقعدة ومصابة بالطاعون، ولكن فرحة اللقاء أعادت لها رونقها وبدت رغم المصاب في أبهى حللها….
هكذا هي حكاية حمص مع أبنائها، حكاية عشق عصية على الفهم ومدينة عصية على الزوال، وبحجارتها السوداء ستبنى البيوت من جديد كما كانت وأجمل، لأن شوارعها ستحتفظ بأسماء شهدائها الذين سقطوا تحت ركام بيوتها وتخمرت أجسادهم بين جدرانها ولم يتسع الزمان ولا المكان لقبور تليق بهم…
صعب أن تنسى البيوت سكانها ولكنها من المستحيل أن تنسى محتليها ومدمريها وسارقيها، ففي كل بيت حكاية ولكل حكاية شهيد أوجريح أومهجَّر. حكايات حمص لن تطمر تحت أنقاض المجزرة، فحمص صارت أسطورة بصمودها لأكثر من سنتين تحت الحصار، وبابتداعها لفن جديد اسمه ‘ثورة الكرامة’، وبولادتها لغيفارا جديد يتقن الغناء والدفاع والصمود اسمه ‘الساروت’.
لن يعود حكم ‘الأسد والأبد’ لحمص، فقد تحطمت جدران السجن الكبير الذي كان اسمه ‘سورية الأسد’ وخرج مارد الحرية، وكُسر المصباح تحت أنقاض البيوت وجرفته أنهار الدم السورية بعيداً جداً.
حمص قدسنا، وخارطة طريقها كخارطة قبورها محفورة في عقولنا. قد لا نمتلك بيتاً فيها ولكن مكان قبورنا الحمصية فيها نحفظه عن ظهر قلب. فهو هناك قرب قبور آبائنا وقبور أجدادنا وأجداد أجدادنا.
حمص قدسنا وإليها سنعود.

 

MAY 16, 2014
كاتبة سورية
آية الأتاسي

نقلاً عن القدس العربي

سبق ونشرت “الشاميات” هذه المادة بتاريخ 18 مايو 2014

 

(Visited 43 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …