الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / آية الأتاسي: هو رحيل آخر يا دبي

آية الأتاسي: هو رحيل آخر يا دبي

آن أوان الرحيل، حزم الشاعر عدنان العودة حقائبه ومضى مثقلاً بغربتين، حاله في هذا كحال الكثير من السوريين، الذين عبروا دبي كما يعبر المسافر صالة الترانزيت في المطارات.آية الأتاسي Aya El Atassi
هو وداع آخر عن مدينة، الوداع فيها هو ملح أيامها، ولكي ينجو المرء من لعنة الحنين، عليه أن يعتاد ألا يعتاد، فكل شيء قابل للتغيير والتلاشي والرحيل. حتى الصداقة تبدو سهلة المنال، ولكن غالباً لا يُسعفها الزمن كي تحفر عميقاً في الذاكرة.
كل شيء في دبي متحول وليس للحارات وأهلها وجوهٌ ثابتة، الصيدلي الذي أعجبتك نصيحته الدوائية البارحة قد لا تعثر عليه غداً، حاله في هذا كحال مصفف الشعر وبائع الورد ومحل الفلافل القريب، بل حتى الشارع الموازي لمنزلك، هي سياسة تدوير البشر والمصالح والأمكنة، وعلى القلب أن يتعلم ألا يثبت على مكان وألا يصاب بداء الحنين في مدينة معولمة. وعلى القادم الجديد أن يقصقص أحلامه ويقطع حبل السرة بالمدينة الأم، فلا مدينة تشبه ما سيراه ولا حتى مدن الملاهي. وعليه القبول بالصفقة التي ستعرضها المدينة عليه، ومقايضة الحنين بالأمن والأمان، والرفاهية بالمال حيث كل شيء له ثمن، حتى الوقت يُباع ويُشترى ويُفقد في أمكنة ليفيض في أخرى، ولعلها لم تكن مجرد دعابة، عندما دخلت مرة متجراً في دبي، أسأل البائع الفلبيني إن كان لديه وقت، فما كان منه وهو المعتاد على عبارة:
«نعتذر، نفد المنتج لدينا، ابحثي عنه في المتجر المقابل»، سوى أن أجابني بنفس الجملة، معتبراً الوقت سلعة كغيره من السلع القابلة للبيع والشراء والنفاد.
هي سياسة الشراء إذن، اشتر واشتر كطقس من طقوس المدينة المحاطة بمراكز التسوق من كل صوب، اشتر بما تملك وبما لا تملك، سيمنحك البنك قرضاً لأي شيء، ولن يعود صديقاً لك إن أنت عجزت عن التسديد، أما الأصدقاء فاستدن حباً ما شئت منهم، وابتعد عن استدانة المال، فهو يفسد للصداقة كل قضية.
قيل عن دبي قبل سنوات إنها فقاعة وستنفجر، علبة حجرية مصطنعة ستسقط حجارتها حجراً وراء حجر، لكن ناطحاتها مازالت تتطاول حتى أطراف الغيوم وتحكها بأظافر معدنية حتى صارت تهطل أمطاراً، في بلاد يشبه المطر فيها المعجزة، وللطقس فيها مزاجه الخاص، فقد تهب الريح في خماسين الربيع من دون أن تحمل زهراً ولا ورداً، أما الهواء فهو ممتلئ برمال الصحراء ومبستر بملح البحار، هواء قد يأتي إلى بابك معلباً ومحفوظاً في جهاز للتهوية، فتنفس واملأ رئتيك وأنت في عز الصيف والقحط، ولا تنس أن تسدد فاتورتك، فالهواء هنا أيضاُ له ثمنه.
ولا تبحث عن شرفتك ولا جيرانك، فهم سيتغيرون ويتبدلون بسرعة قياسية، وإن كنت محظوظاً وكان الطقس لصالحك، وكنت بعيداً عن هدير السيارات في الطرقات السريعة، والنهار ربما في بدايته الخجولة، عندها ربما ستحظى بصبحية خاصة، وستستمع لموسيقى طيور فريدة، وتمضي معها في أرجوحة صوتية صحراوية، تشعرك بأنها آخر الناجين من هجوم التحضر والتكنولوجيا على الصحراء، وربما ستتجرأ طيورك الزائرة وتشرب من صحن مكسر الحواف، وضعته لها كفخ لتشاركك صباحك، أو تقترب من صحن طعامك لتطالبك بحقها في الطعام والمكان، مادامت هي من سكان البلاد الأصليين وأنت من الطارئين عليها.
وستجد نفسك تردد في سرك ما كتبه درويش:
فك الحلم أجنحتي
أنا أيضاً أطير
فكل حي طائر.
ولأن دبي جارة الصحراء والبحر، لا بد أن تقودك رمال صحرائها في النهاية إلى رمالها البحرية، فتصل إلى بحر لا تصل أمواجه بلادك، ولكنه ثروة تلك البلاد التي لا تنضب كثروتها النفطية.
وستجد أيضاً أن للبحر سكانه المحليين الذين لا يغادرون مياهه الخليجية الدافئة كسمك «الهامور»، الكبير الحجم والغالي الثمن كما كل شيء في هذه البلاد، حتى أن لقب «هامور السوق» صار يُطلق على كبار رجالات الاقتصاد.
وعلى أي حال الاقتصاد هو العجلة التي لا تتوقف عن الدوران في دبي، ولغة «البزنس» الإنكليزية تفرض نفسها على كل شيء، وهي وسيلة للتخاطب مع كل قاطني هذا البلد. لغة واحدة ووجوه وجنسيات عديدة، تجعل من هذا المكان الصغير جغرافياً مدينة كوزموبوليتانية بألف لون ووجه وثقافة، الجميع فيها غرباء، ولا أحد يدَّعي امتلاكه لها أو يطالب بترحيل الأجانب عنها.
ستبحث كسوري عبثاً عن نكهة بلادك في مدينة تجمع كل نكهات العالم، من دون أن تكون لها نكهة واحدة لاسعة، ستعثر على «المطعم الشامي»، وحلاوة الجبن الحمصية، والكباب الحلبي، من دون أن تعثر على النكهة حقاً، لأن الأطباق هي في النهاية طعم أمكنة وبشر يطبخونها فتختلط روائحهم بروائحها.
وستفتقد الأرصفة فيها أيضاً، فالأرصفة في مكان مستحدث لا تصاحب المشاة ولا يصاحبهم هواؤها، وستستبدل مع الوقت الأرصفة الإسفلتية بأرصفة الشواطئ الرملية، وربما ستكتشف فضائل الهواء الرطب المعقم من ثاني أكسيد كربون السيارات، ومتعة المشي بلا تحرشات، وستفهم مبكراً أن السبب وراء ذلك ليس الأدب ولا حسن السلوك، بل قوانين صارمة تعاقب المتحرش بالترحيل الفوري.
ودبي هي مدينة المفاجآت أيضاً، البشر يذهبون ويعودون، الشوارع تتفرع أو تختفي، فلا تعتاد ولا تحفظ أقصر الطرق للقلوب، فلا شيء ثابت هنا ولا نقاط علاَّم. وثبت ستائر نوافذك، فلن تفتح نوافذك على مصراعيها إلا نادراً، وستعتاد على نوافذ لا تكشف السر، فهي معتمة نهاراً تسمح لك أن تَرى من دون أن تُرى، وليلاً تقلب وجهها لتفضح وجهك، فإياك والثقة بنافذة تفضح سرك ليلاً.
هي نوافذ كلما اقتربت من البحر اتسع زجاجها وتراكمت غبرتها، وفي أي حال للغبرة مفهوم مختلف هنا، وليست مرتبطة بالزمن وما يتركه على الأشياء والأمكنة من آثار، هي غبرة الورشات التي لا تنتهي، نبني لنهدم من جديد، نبني لنجدد دائماً ونواكب العصر، والعصر هذا لا يمل الحركة والتغيير.
يقولون إن الوداع هو موت صغير، وفي مدينة الوداعات يبدو أن علينا الموت مراراً، وبالعودة إلى عدنان العودة وقصيدته الأخيرة «في وداع دبي»، التي رثى فيها موتى دبي من إلهام عدوان ونبيل المالح وآخرين نسوا أسماءهم «غير المعروفة» على شواهد قبورها:
قال العودة: “هنا دفنا نبيل المالح بلا شتلة آس واحدة”.
هذا للأسف أصبح واقعاً في وطن، محال على أمواته حتى أن يعودوا في صناديق، وصار لهم في كل بقعة مقبرة، أما تَقبل التعازي فهو مؤجل إلى حين العودة، فما معنى الأوطان إن لم نولد ونفرح ونحزن ونموت فيها.
رحل عدنان العودة عن دبي وقبله رحل الكثيرون وسيرحل بعده أيضاً، فدبي محطة انتظارنا المؤقت على طريق الحرية الطويل، ولكن رغم كل ما لها وما عليها، يكفي أنها حفظت لنا كسوريين بعضاً من كرامة، ولم تفتش في ثيابنا ورؤوسنا وحقائبنا عن بقايا وطن، صار مجرد اسمه على جواز السفر تهمة وجناية.
ولها أيضاً فرصة اللقاء التي منحتها لنا، كما أطلق السوريون هنا أيضاً على تجمعهم “اللقاء السوري”، هذا من دون أن تمنحنا حق البقاء طويلاً، فالبقاء مشروط بتجديد الإقامة المرتبطة هي الأخرى بعقد عمل في مدينة، لا تستقبل القادمين إليها إلا لدواعي العمل والإنتاج، لا لدواعي اللجوء والتضامن الإنسانية.
ولهذا يغادر السوريون دبي ليس حباً بالهجرة إلى الغرب، ولكن لأن شروط الإقامة هناك أكثر أماناً واستقراراً. أما هنا فكل الوافدين كما يُقال يقفون على “كف عفريت”، وبغض النظر عن الود الذي قد يحمله البعض للمدينة، والتي قد تبادله بمثله، لكن للبقاء فيها حكاية أخرى.
عندما سألت “العودة” عما يحبه في هذه المدينة، قال لي: “أحب حيزي فيها، أصدقائي ونادي الرواق الذي أسسته مع أصدقائي، وأحب حتى العاملين الآسيويين فيه والطباخ المصري، هم أحبونا وأحببناهم بلا شروط وأفكار ومشاعر مسبقة”.
وكأني به يعني تنوع دبي العرقي والثقافي، والمحبة التي نعثر عليها بمحض الصدفة في زاوية صغيرة من هذه المدينة الضخمة.
يا صديقي الفراتي مكانك الشخصي يشبه أمكنتنا جميعاً، والتي قد تكون محل فلافل قديم أو قطعة بحر أو طاولة خشبية في حانة أو شجرة نخيل تتثبت جذورها في مكان لا تستطيع العيش بعيداً عنه.
ولكن يا صديقي مكانك كما أمكنتنا ليسوا ثابتين هنا، وناديك القديم آيل للسقوط، وسيبنى ناد حديث وبديل له قريباً، فلا مكان للقديم ولا مكان للشيخوخة في مدينة شابة ابداً وإن كان بجرعات فائضة من البوتكس.
أما مكانك في قلوبنا فهو باق، ونحن الباقون في دبي علينا ألا نعتاد الوداع…
إذن إلى اللقاء يا “عدنان العودة”، العودة في اسمك قدر وكأنك منذور للعودة أبداً.

آية الأتاسي

Feb 16, 2017
القدس العربي

(Visited 38 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

حين شتمتني زوجتي

أتى الصوت قوياً من الطرف الآخر من البيت: “ميخاييل روح اطفي النار تحت القهوة”. كان …