الأقصى ليس حجارة

فجأة، أصبح بعض الكتاب والمعلقين العرب (منهم فلسطينيون) يهتمون بالإنسان الفلسطيني على قاعدة أنه أهم وأبقى من حجارة المسجد الأقصى. وهنا يعود التنافس بين أهمية البشر أم الحجر، الولد أو البلد.الأقصى ليس حجارة لكن في فلسطين تسقط كل النظريات والقواعد، فالفلسطيني من دون أرضه لا قيمة له، وكذلك لا توجد فلسطين من دون مواطنيها الأصليين.
الحديث هنا أنه “لا يجب أن تكون حجارة الأقصى أغلى من أجساد الشعب الفلسطيني” عبث جديد وكلام لأجل الكلام لا أكثر. فالمعركة حالياً في القدس ليست فقط من أجل الأقصى وحسب، إنما مسألة كرامة وسيادة وطنية. الكاميرات الذكية وقبلها البوابات الإلكترونية تعني أن الاحتلال أحكم سيطرته الكاملة على المسجد، ولأن الأقصى ليس مكاناً عادياً لا بد من تذكير “المتفلسفين” بأهميته وقيمته الدينية والإنسانية. فالمسجد أساس الأسطورة لقيام دولة إسرائيل باعتبار أن هيكل سليمان موجود مكان الأقصى. وبالنسبة للقيم الإسلامية هو أول القبلتين للمسلمين، وثاني مسجد وضع في الأرض، وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، وباركه الله في القرآن الكريم، وهو مسرى النبيّ محمد. إذاً المعركة ليست على 144000 دونم (مساحة الأقصى) إنما هي حرب وجود تعكس لُـب الصراع.
منذ 50 عاماً وإسرائيل تحاول السيطرة على القدس عموماً والأقصى خصوصاً. فبعد احتلال كامل القدس والمسجد الأقصى في يونيو/حزيران 1967، حاول الاحتلال الإسرائيلي فرض هيمنته الكاملة على المسجد الأقصى، ولكنّ المواقف الباسلة والصلبة لعلماء القدس وقضاتها ووجهائها، والتي واجهت إجراءات الاحتلال الجديدة بحقّ الأقصى أجبرت الاحتلال على التراجع عن قراره، واضطرّ لإعادة تسليم إدارة الأقصى لدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، وهي الجهة المشرفة عليه أصلاً.

ولم تختلف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على أهمية السيطرة على القدس، فعلمانيو ويساريو إسرائيل والمتدينون عملوا على إحكام القبضة على مناحي الحياة المقدسية. فبعدما كان الحاخامات اليهود يحرِّمون دخول الأقصى بُعيْدَ احتلاله عام 1967 لأسباب خاصة بشريعتهم اليهودية، أصبح عدد متزايد منهم يشجع اليهود على اقتحامه. ونظّمت المنظمات العاملة لبناء “المعبد” أو “الهيكل” جهودها ووحّدتها في إطار “ائتلاف منظمات المعبد”، وهو ائتلاف يحوي عشرات الهيئات والمنظمات اليهودية التي تعمل لبناء المعبد المزعوم مكان الأقصى، وتجلى التأثير الكبير لهذا الائتلاف في تصدره دعوات اقتحام الأقصى وفرض تقسيمه وسيطرة اليهود عليه.
وبعدما كانت محاكم الاحتلال تمنع أداء صلاة اليهود في المسجد الأقصى تحت طائلة العقوبة، أصبحت تُجيز لليهود بدءاً من عام 2003 الصلاة داخله بشكل فردي وجماعي.

وتكثف طرح مشاريع تقسيم الأقصى داخل الكنيست لتشريع ذلك قانونيّاً، وبلغ الأمر أن تقدم بعض نواب الكنيست بمشروع يدعو لنزع الوصاية الأردنية والحصرية الإسلامية عن المسجد الأقصى. وأصبحت الحكومة بشكل أو بآخر ترعى كل ما يجري من اقتحامات واعتداءات على الأقصى من خلال دعمها “لائتلاف منظمات المعبد”، وتصدّر وزراء ونواب ومسؤولون وأمنيون موجات التحريض على الأقصى واقتحامه. وباتت مزاعم الاحتلال في ما يُسمَّى بـ”حق اليهود في الصلاة الجماعية في (جبل المعبد) تشكِّل إجماعاً لدى غالبية القادة السياسيين”.
كما تغيرت وظيفة الشرطة الإسرائيلية من منع الصلاة داخل الأقصى خوفاً من ردود الفعل إلى حماية المستوطنين الذين يقتحمون الأقصى. وتعدى الأمر هذا الحدّ إلى مستوى تشجيع “منظمات المعبد” وتحريضها على تكثيف الاقتحامات بهدف إعطاء ذريعة للشرطة لفرض واقع أمني في الأقصى، وهذا ما صرّح به عدد من حاخامات اليهود ومسؤولي “منظمات المعبد”.
كشف خطوات الاحتلال السياسية والأمنية والقانونية تجاه الأقصى، أنها مسألة بقاء أو فناء، وكذلك الأمر بالنسبة للفلسطينيين.

 

26 يوليو 2017

صمود غزال

العربي الجديد

(Visited 25 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …