الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / شعوب و ثقافات / الأوسكار في المربد وعكاظ

الأوسكار في المربد وعكاظ

أنى يممت وجهك -الآن- تجد المهرجانات التي تكرم الشعراء، والجوائز التي توزَّع عليهم، ولجان التحكيم لفصل الجيد عن الرديء، ولبث آراء نقدية، وتفضيل شعرية شاعر على آخر، لكن،الأوسكار في المربد وعكاظ ألم يخطر ببال أحدنا كيف كان الواقع قبل ألف وخمسمئة عام، كيف كانت تُكرّم عبقريةُ الشاعر وشعريته؟

في الواقع الحالي المعاش نسمع تكريم الشاعر بعد مماته، ويتردد صدى أصوات، تضجّ بالسؤال: ما نفع هذا التكريم الذي لم يذق حلاوته ذاك الشاعر الراحل؟ أما كان ينبغي أن يكرَّم في حياته؛ ليرى نتيجة جهده أمامه ويقطف ثمار حصاده؟

في العصر الجاهلي نبغ ألمع الشعراء وأفلقهم، وجادت قرائحهم بأهم قصائد الشعر العربي، وكانت لهم أسواقهم التي يرتادونها، فلم تُعَد تلك الأسواق كما هي في وقتنا الحالي لعرض البضائع والمنتوجات فحسب، فقد كانت مجتمعًا قائمًا، تجمع فيه شتى الأصناف والألوان، وكل ما يخطر في البال؛ حتى إن سوق عكاظ كان يحوي كل شيء، ووصلت الأمور إلى تزويج البنات فيه، إذ عدوها مؤتمرًا، تعقد فيه الحوارات والندوات والنقاشات، وكانت مرتعًا لإعلان الحروب، وطلب المساعدة، فاستغل الشعراء هذا الحشد لإبراز عبقرياتهم، عارضين بضائعهم الشعرية؛ كي ترى القبول لدى الناس، ويتفاخروا بها على أقرانهم؛ فتلك الأسواق في رحابها توزع جائزة الأوسكار التي يسعى الشاعر إلى الحصول عليها، مقدمةً من المسؤول عن ذلك الحدث الضخم: النابغة الذبياني، فقد ورد في كتاب “الأغاني” لأبي فرج الأصفهاني، أن نابغة بني ذبيان، كانت تُضرب له قبة من أدم (جلد)، يجتمع إليه فيها الشعراء، فدخل إليه حسان بن ثابت، وعنده الأعشى وقد أنشده شعره، وأنشدته الخنساء قولها:

قذى بعينك أم بالعين عوار

حتى انتهت إلى قولها:

وإن صخرًا لتأتمّ الهداة به                     كأنه علم في رأسه نار

وإن صخرًا لمولانا وسيدُنا                     وإن صخرًا إذا نشتو لنحّار

فقال: لولا أن أبا بصير (يقصد الأعشى) أنشدني قبلك، لقلت: إنك أشعر الناس! أنت والله أشعر من كل ذات مثانة (المقصود بها هنا الرحم). قالت: والله من كل ذي خصيتين. فقال حسان: أنا والله أشعر منكَ ومنها. قال: حيث تقول ماذا؟ قال: حيث أقول:

لنا الجَفنات الغُرُّ يلمعن بالضحى             وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

ولَدنا بني العنقاء وابنَي محرِّقٍ               فأكرمْ بنا خالًا وأكرمْ بنا ابنما

فقال: إنك لشاعر لولا أنك قلّلت عدد جفنات، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك. وفي رواية أخرى: فقال له: إنك قلت: الجَفنات؛ فقلّلت العدد، ولو قلت: الجفان لكان أكثر. وقلت: يلمعن في الضحى، ولو قلت: يبرقن بالدجى؛ لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف في الليل أكثر طروقًا. وقلت: يقطرن من نجدة دما، فدللت على قلة القتل، ولو قلت: يجرين، لكان أكثر؛ لانصباب الدم. وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، فقام حسان منكسرًا منقطعًا.

إذًا، لجنة التحكيم هذه، المؤلفة من رائد الشعر الذي دان له فحول الشعر الجاهلي، هي التي تقدم التكريم، وتوزع الجوائز لمن يستحقها، بإطلاق أحكامه النقدية، وفق المعايير المتعارف عليها في تلك الفترة.

أما في العهد الإسلامي، فتراجعت مكانة الأسواق، وأهميتها، عما كانت عليه في العصر الجاهلي، لكن ذلك لم يقض عليها نهائيًا، إذ نشأت أسواق كثيرة، منها المربد الذي كان في الأصل سوقًا للإبل، ثم توسع وغدا مكانًا لعرض البضائع، تقصده العامة طلبًا للرزق، ومع توسعه لجأ إليه الشعراء لعرض بضائعهم الكلامية، فتعددت الحلقات التي يتوسطها الشعراء والرجاز، فصار معرضًا لكل قبيلة تفتح فيه دكاكين شعرها متفاخرة به، لإبراز الفحولة لمن يأتي إليه من الشعراء لبيان فضله وتفوقه على الآخرين.

لقد تشابه المربد مع عكاظ في أمر الشعر والحلقات، لكنه كان متطورًا بدرجة أعلى، فقد أمسى فيه لكل شاعر حلقة؛ فللعجاج ولرؤبة حلقة، ولجرير والفرزدق وراعي الإبل وذي الرمة، لكل منهم حلقة، وغيرهم. وللمربد أسبقية وشرف عظيم في شهادته على التهاجي بين جرير والفرزدق، فكان من الطبيعي أن يمد اللغة العربية بمادتها الأساسية؛ كونه البحر الذي غرف منه النحويون والمدونون.

الآن تغيرت أحوال الأسواق واختلفت اختلافًا كبيرًا، واندثرت خصائصها التي عاشت عليها سابقًا إلى غير رجعة، فصارت مكانًا للبيع والشراء فحسب، وأقيمت المهرجانات والأمسيات التي تكرم الشعراء من دون المرور على أسواق العرب.

سنان غانم ساتيك
كاتب سوري، له أبحاث ومقالات لغوية وثقافية منشورة

جيرون

(Visited 8 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

آخر مصنّعي الأحذية الخشبية في هولندا يدافعون عن فنهم

آخر مصنّعي الأحذية الخشبية في هولندا يدافعون عن فنهم

بعدما كانوا بالآلاف قبل بضعة عقود فقط، لم يعد في هولندا سوى حوالى ثلاثين حرفيا …