الإعاقة الحقيقية

ليس ذنبه أنه ولد بإعاقة جعلت نظرتك إليه مختلفة، ليس ذنبه أنه وجدك تعامله بطريقة تنم عن أنه ليس كأقرانه، ليس ذنبه أنه خرج إلى الحياة بإعاقة كانت بإرادة من المولى سبحانه وتعالى التي أرادها لحكمة لا نعرفها، عمر صقر- Omar Sakrولكن الذنب الحقيقي بل كل الذنب هو أن تعامله بطريقة أقل من معاملتك للأسوياء الطبيعيين، ان تنظر إليهم نظرة قاصرة محدودة، فهذا لا ينم إلا عن اعاقة حقيقية في فهم هؤلاء البشر العاديين جدا، هذه النظرة الأحادية وأحيانا الاقصائية وأحيانا أخرى الحزينة التي تنظر بها هي نظرة ضريرة قاصرة جعلت من صاحبها اعمى لا يرى وإنْ كان صاحب عينين قويتين ولكنه للاسف بات بلا بصيرة، ولتعلم انه عادي، فما عليك إلا بالنظر في كتب التاريخ لمن سبقونا لتعرف ان شواهد التاريخ تؤكد لنا دائما ان الإعاقة ليست تلك التي نعرفها، بل لو افترضناها فإنها لم تمنع صاحبها من الوصول إلى حلمه وطموحاته، بل انهم وصلوا إلى مراتب عالية وحققوا انجازات لم يصل إليها الاصحاء، ومن أحب فلينظر إلى كتب التراجم والسير الذاتية التي تفصح عن حجم ارادتهم ورغبتهم القوية وعزيمتهم في تحقيق ذواتهم امام العالم الذي شك في يوم من الايام في قدراتهم وفي وصولهم إلى ما يحلمون به.

هذه الدافعية التي تستحق الوقوف امامها بالاحترام والاجلال، والتي تثبت ان المعاق انسان سوي شأنه شأن جميع اقرانه، ولو احببنا ان نضرب مثالا على هذا فأنا احب ان اقدم نموذجا لم تمنعه اعاقته ابدا من تحقيق النجاح تلو النجاح، إنه عميد الادب العربي الدكتور طه حسين الذي يروي لنا كيف كانت مرحلة اصابته بمرض الرمد والتي تسببت في عماه وعدم قدرته على رؤية الدنيا مجددا وتسربله في الظلام الدامس وأنه كيف كان يرى حنو ابويه عليه قسوة وكيف كان يرى عطف اخوته له شفقه دفعته إلى ان يعتمد على نفسه ليثبت أنه كسائر اخوانه، لهذا تنقل في اروقة العلماء وسافر إلى بلاد النور (فرنسا) في حين كان السفر رحلة إلى المجهول وإلى اين؟ إلى فرنسا مقتحما لأعرق جامعاتها ومن ثم عائدا إلى بلده بحقائق وعلوم ليقدمها للمبصرين من ابناء جيله وكيف أنه استطاع ان يصل في ذات يوم لم يتخيله احد إلى ان ينصّب عميدا للأدب العربي ووزيرا للتربية والتعليم، رافعا شعار العلم والتنوير والبصيرة لكل المبصرين، هل عرفتم الآن من هو المعاق الحقيقي، هو الذي يرى الإعاقات بحجم الكون وتتملك نفسه قيود تحول بينه وبين تحقيق ما يريد، وقبل ان اترك الدكتور طه حسين لا بد ان اذكر قصة رواها احد الصحفيين الذين أرادوا ان يجروا حوارا معه والتي تفصح عن دواخل هؤلاء وكيفية التعامل معهم، فيقول: إنه حين جاءت الخادمة بالقهوة ووضعتها أمام الاستاذ اردت ان احملها إلى يديه، فحين فعلت ذلك رفض ان يأخذها قائلا: ضعها مكانها وبالفعل استجبت، وقام بتناول قهوته كشخص عادي جدا، وكانت يده لا تخطئ موضع القهوة وكأنه يراها مثلي، لهذا فأنا ارى ان المعاق شخص طبيعي ومعاملته بنوع من الحرص والمتابعة الشديدة تزيد من وحدته ومن عدم قدرته على الاندماج في المجتمع، لهذا لا تشعروهم أبدا بإعاقتهم بل خذوا بأيديهم وعاملوهم بطريقة عادية، وسوف ترون نتائج هذه المعاملة سريعا وإلا فنحن حينها أصحاب الإعاقة الحقيقية.

 

بقلم : عمر صقر

بوابة الشرق الإلكترونية

(Visited 7 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …