الرئيسية / الهجرة والمهاجرين / البحث عن الذات – وليد السابق

البحث عن الذات – وليد السابق

‎تكتشف وأنت تغوص في سطور وكلمات (أصل العالم)، أن ما هو بالنسبة إليك ثروة حقيقية البارحة، ما هو إلا شيء تافه اليوم، الشيء الذي جعلني أتذكر المثل الروسي القائل:
الملعقة مفيدة فقط وقت الطعام، يأخذك كاتب الرواية وليد السابق إلى الغوص في فلسفة خاصة بالنفس البشرية بشكل سلس و مبسط، فتكتشف حقيقة مفادها أن سبباً تافهاً يجعلك ترتكب جريمة، لترتكب بعدها سلسلة من الجرائم، مما يجبرك على الكذب و جلد الذات، ويتكون لديك شعور ان الكاتب يجرك للتفكير بالقضاء والقدر والتشكيك في حقيقة ان الإنسان يملك خياره.
البحث عن الذات - وليد السابقفحتى الصفحة ١١٢ والتي تقع في منتصف الرواية تجد نفسك مشدوداً نحو نتيجة الصراع الذي يدور في خلد بطل الرواية يوسف، فليس صراع الخير والشر فقط ولا صراع الصدق والكذب، وصراع الفقر والثراء، و إنما صراع النقاء والشهوة الجنسية.
لتكتشف أيضاً أن الحنين إلى حياة القرية والخبز الساخن قبل ارتكاب الجريمة تلاحقه، وان جوع الفقراء هاجس لا يفارقه، كما تجد يوسف بطل الرواية يرتقي برغبته بأن لا يكون هناك أي إنسان جائع وان تنتهي حالات الموت جوعاً في بلدان العالم الفقيرة، و رغبته وأمنيته أن يكتشف الإنسان سر الخلود أو الحياة الأبدية.
فيبدو أن الكاتب يوضح أن هذه الرغبات ناجمة عن ندم حقيقي وعذاب روحي ليوسف.
وما يوضح حالة الندم هذه هو الألم الحاد في المعدة بشكل مزمن، والحلم المزعج الذي شاهده عندما كانت المرأة نصف العارية تشده من يد والجنرال يشده من يده الأخرى حتى تمزقت ذراعيه، لعل هذا الكابوس هو تعبير عن حالة اختيار بين الحب والشهوة من جهة والسجن تكفيراً عن الذنب من جهة ثانية.
لينقلنا الكاتب إلى مراحل متقدمة في البحث عن الفضيلة وعن الذات، لكن بطله يوسف يصطدم دائماً بواقع انه قاتل، يحاول الكاتب إخفاء الجانب الشخصي في الحنين إلى الوطن الأم و إخفاء ألم الغربة التي يعيشها هو شخصياً، ورغم ذلك تبدو تلك المشاعر واضحة وخاصة حين يقول على لسان بطل روايته الذي يتخيل انه تحول لعصفور يطير ويحط على نافذة الغرفة الملكية حين تسأله المرأة نصف العارية أيها العصفور المسكين ، لابد انك جائع هذا الشتاء؟ فيتمنى الرد أنا لست جائعاً، بل ابحث عن انتماء، عن ارض، عن سماء، ويتمنى أن تقبله (الأميرة) المرأة نصف العارية قبلة الحياة، ليعود أميراً، كما في قصص الأطفال.
في خضم صراع نفسي نجد بطل الرواية الفقير يتنقل بين قسمي المدينة الغريبة تارة في الطرف الفقير الذي يشعر فيه بطمأنينة نسبية وتارة في الطرف الفاحش الثراء عله يلتقي امرأة القصر (النصف عارية) التي يعتقد أنها زوجة التاجر الثري الميت و الذي قمصه ذاته ليجعل منه يوسف قبل الهروب في ذاك الصباح (نفس ميتة) بشخصه، بعد أن نبش القبر وتبادل معه الثياب وترك جثته في غرفة حارس المقبرة التي كان يعمل بها، هناك ربط نفسي بين ذاك التاجر وتلك المرأة ويوسف الذي يبحث لنفسه عن مأوى يحميه من كوابيسه دون جدوى.
وفي القسم الأخير من الرواية تلاحظ قناعة الكاتب وتأثره بلوحة أصل العالم الأكثر جدلية للفنان (جوستاف كوربيه) والتي أعطى اسمها عنوان لروايته، فالربط الوثيق بين أحلام يوسف و هلوساته وطريقة نظره إلى لوحة القصر والغرفة الملكية التي تنام فيها المرأة نصف العارية بوضعية مطابقة في لوحة أصل العالم ما هي إلا تأكيداً منه على أن الشهوة الجنسية و المثلث الخصيب هما الأساس في استمرارية البقاء، وتكتشف أن يوسف كان متوهماً انه قاتل في تلك الليلة المشئومة، و أما واقع الأمر انه كان يصارع الزمن ويلاحق الحقيقة الأزلية لأصل الوجود، ذلك الزمن الذي لم يمنحه بضعة دقائق كانت كفيلة له بأن يرى الحقيقة الكاملة التي بحث عنها و ليكتشف انه لم يكن القاتل باعتراف خصمه بل كان القتيل وذلك في نهاية الرواية عندما عاد إلى البلدة القديمة مسقط رأسه، ووقف في منتصف الجسر القديم لينتحر، أو لينتقل لعالم الخلود.

هذه هي أول رواية للكاتب وليد السابق، المقيم في مونتريال، والمشتاق دوماً إلى مدينته الأم دمشق والعاشق الملوع بمدينة الياسمين وحي باب توما، وليد السابق كان في روايته التي حاول فيها الابتعاد عن الكلمات الاستفزازية للمؤمنين بالله والقضاء والقدر وكان موفقاً إلى حد كبير.
في المجمل كان اسلوبه سلس ومبسط و مشوق، الشيء الذي يجعل القارئ مشدوداً حتى النهاية.

البحث عن الذات - وليد السابق

بسام البني

(Visited 64 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

السوريون يبدعون في مصر بصناعة سيارة خيالية

السوريون يبدعون في مصر بصناعة سيارة خيالية

ترك السوريون بصمتهم في غضون 6 سنوات منذ مجئيهم إلى مصر عقب الأزمة السورية في …