الرئيسية / علوم و تكنولوجيا / دراسات وتحاليل / السوريون قادة العالم 2030

السوريون قادة العالم 2030

قبل أيام تنبأت مجموعة خبراء مجالس المستقبل العالمية على هامش مؤتمر دافوس، أن اللاجئين السوريين الذين هاجروا إلى الخارج سيصبحون قادة المستقبل، وليس المقصود أنهم سيكونون القادة السياسيين،
السوريون قادة العالم 2030 بل إنهم سيكونون مديرين تنفيذيين في الدول المستضيفة خلال فترة 13 عاماً، أي عام 2030.

القراءة التي يقدمها هؤلاء الخبراء ليست من فراغ، فبعد أقل من خمس سنوات لاحت بوادر إبداع اللاجئ السوري في الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية.

طلاب حديثو العهد حققوا نجاحات مذهلة في الطب والعلوم والهندسة، وعالم البرمجيات، وحتى في الفن والأدب، وهي دلالات عن شكل مساهمة جيل كامل من السوريين خرج من جحيم الحرب إلى مجتمعات تحترم الإنسان وتستثمر فيه.

ليس كل من خرج سيكون قادراً على المتابعة، فالجيل القديم يكفيه أن يتابع حياته في المجتمعات الجديدة، إذ يعاني هذا الجيل صعوبات في الاندماج وتعلم اللغة إلا ما ندر، أما الجيل الجديد المكون من حملة الشهادات من الخريجين حديثي العهد، وكذلك الأطفال والشباب، والمواليد الجديد خارج سوريا، كل هؤلاء سيكونون بمعظمهم علامة فارقة، وهم عام 2030 سيكونون بالملايين، فالسوري لم يتخلّ عن تقاليده في الإنجاب، والحياة الاجتماعية، وفي الوقت الذي تتراجع فيه نسبة المواليد في الدول الغنية، كما يضعف فيه دور الأسرة، ربما يقدم السوريون نموذجاً مختلفاً، وجيلاً مبدعاً ومحضوناً بقيم الأسرة المتماسكة.

ولا تضرّ الأخبار المتواترة عن ارتفاع حالات الطلاق بين الأزواج السوريين في الدول الغربية، وهذه الظاهرة بطبيعتها جزء من معركة عضّ الأصابع التي يخوضها الإنسان عندما ينتقل إلى بيئة مغايرة كليّاً، وعندما تتمتع فيه المرأة بحماية فوق العادة في القوانين والتشريعات، وحتى في الحياة العملية، وكان لا بدّ من حصول هذا النوع من الاضطراب نتيجة الصدمة الحضارية، واختلاف أسلوب الحياة والقيم.

السؤال على هامش توقعات أن يكون السوريون قادة في مجتمعاتهم الجديدة، هو ما الذي سيعيد السوريين إلى بلد هو اليوم الأسوأ أمناً وتعليماً، بلد يصنف جواز سفره في ذيل القائمة، وتعتبر خدمة الأنترنت فيه الأسوأ في العالم، وينخفض فيه مستوى الأعمار 20 سنة دفعة واحدة في بضع سنوات، ولا مؤشر على أن من سيحكمه غداً هو جيل يؤمن بالوطن، لا بالقائد الأوحد والحزب القائد والبندقية والشعارات الفضفاضة.

ربما يكون الأمل في الجيل الذي يتوعد أوروبا والدول المتحضرة بقيادة مؤسساته العلمية والاقتصادية، إذ يمكن لهذا الجيل أن يسهم في إعادة بناء هذا الوطن المدمّر، لكن، وهذه الـ”لكن” كبيرة جداً ومقلقة للأسف، لم يشهد تاريخ الهجرات في بلاد الشام والشرق الأوسط بالمجمل أن الأجيال التي هاجرت عادت من جديد، وكدليل على ذلك، ها هم السوريون واللبنانيون والفلسطينيون الذين هاجروا القرن الماضي إلى دول أمريكا اللاتينية، والولايات المتحدة، وأوروبا، لقد أنشأوا مجتمعات بديلة، واندمجوا، وأفرزوا قادة ورؤساء دول ووزراء وأثرياء، ولم يعد منهم إلا بعض الهرمين من مدمني تراب الوطن، أو المطالبين بإرث لأب أو لجدّ، ولعل البعض من المشاهير عادوا ليحيوا حفلات فنية على نمط زيارات “شاكيرا”.

الحقيقة المرّة التي يجب أن يعلم بها الجميع، هي أن سوريا باتت مستنقعاً للموت والخراب والعدميّة بعد خمسين عاما من حكم آل الأسد، أعقبتها ست سنوات من القتل والحرب والموت والتدمير، وستعقبها ربما مثلها أو أكثر لتحديد خطوط السيطرة والتماس مع وجود تداخل في مصالح القوى الخارجية التي أدخلها حكم بيت الأسد “الرشيد”، أضف إلى أخطار الجماعات المتشددة التي تحتاج وقتا لاستئصالها، كل ذلك يشكل بيئة طاردة للجيل، ومن بقي في البلاد سيعيشون كوابيس لا تنتهي، مع جيل فقد فرص التعليم والتأهيل، وهو سيصبح مشكلة بعد سنوات.

ربما تكون هناك بادرة طيبة من اللاجئين الذين بقوا في دول الجوار ضمن مناطق قريبة من الحدود، وهذه البادرة تحتاج جهداً دولياً استثنائياً لتأهيل الأطفال علمياً، ومنع تسربهم من المدارس، وفي أحسن الأحوال لن تكون النتائج بالشكل المطلوب.

هناك أشياء لا ينفع فيها الشعر، ولا الشعارات والتغزّل بالوطن والتراب والهواء والياسمين، هناك حقائق على الأرض لا تغيّرها الأمنيات .. ومع هذا دعونا نتمنى أن نعود إلى وطن حرّ معافى، وطن يحترم مستقبل أطفالنا وشبابنا، وطن لا قائد أوحد فيه ولا معتقلات.. نحبه ويحبنا .. نغار عليه فيرحمنا.

 

علي عيد – من كتاب “زمان الوصل”

(Visited 24 times, 1 visits today)