الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / شعوب و ثقافات / القبقاب جذور تاريخية ولغوية

القبقاب جذور تاريخية ولغوية

القبقاب -بحسب التعريف- ملبوس للأقدام، مصنوع من الخشب، وله سيور (السيور جمع السّيْر، وهو ما يُقدّ من الجلد). أما من الناحية اللغوية، فقد ورد في “لسان العرب” أن القَبْقَبة والقَبْقاب: صوت أنياب الفحل وهديره؛ وقيل هو ترجيع الهدير.القبقاب جذور تاريخية ولغوية وقَبْقب الأسد والفحل قبقبة إذا هدر. والقبقاب: الجمل الهدّار. ورجل قبقاب وقُباقب: كثير الكلام. والقَبْقَب سير يدور على القربوسين كليهما. والقربوسان حِنوا السرج؛ طرفاه. والقَبْقَب خشب السرج. والقَبْقاب: النعل المتخذة من خشب، بلغة أهل اليمن.

كل المعاني السابقة تدل على القوة والصوت الهدار، فالقبقاب لم يأت اسمه اعتباطًا؛ إنما سمي بذلك لقوته وهدره بالصوت والطقطقة اللذين يصدران عنه أثناء السير به. لو تأملنا قليلًا في البناء اللغوي لكلمة القبقاب، المؤلفة من تراتبية تكرارية بين حرفي القاف والباء؛ لوصلنا إلى لب الحقيقة؛ لأن حرف القاف، صوتيًا وبنائيًا، يحمل القوة في طياته وثناياه، ووجوده في الكلمة يمنحها قوة مادية محسوسة، والباء حرف شديد مجهور انفجاري، يتفجر من الطقطقة الحاصلة نتيجة اصطدام أسفل القبقاب بالأرض، وهذا التناوب بين الحرفين أضفى على الكلمة إيقاعًا موسيقيًا، أعطاها تميزًا لدى المستمع الذي يستحسنها ويستلطفها؛ ما دفع المطربين والمغنين إلى التغني بها، وجعل قبقبة القبقاب موسيقا تطرب لها الآذان، على غرار أغنية شادية “رنة قبقابي”، لكننا ما نلبث أن نرى ابن منظور يصرّح بأن القبقاب هو النعل بلغة اليمنيين، وأن القَبقبة على وزن فَعللة، من فعلل الذي حمل معاني ودلالات كثيرة، منها: المشابهة والصيرورة، والدلالة على أن الاسم مأخوذ من آلة، وغيرها.

ولدمشق أهمية خاصة في القباقيب وصناعتها التي تميزت بها، وكان لها قصب السبق فيها؛ وكانت تُصنع وتُحمل إلى مدن كثيرة في العالم؛ فهي مهنة وراثية فيها، تنتقل من الآباء إلى الأجداد، ومثل كل المهن، يُنسب إليها من يعمل بها؛ فنرى أسرة “القباقيبي” في دمشق، حتى أسبغ صناعها وحرفيوها اسم مهنتهم على سوق عرف باسم “سوق القباقبية”. ولها في مصر ارتباط تاريخي بشجرة الدر المقتولة ضربًا بالقباقيب، كما تعرف صناعتها في نابلس، وتتخذها هولندا رمزًا من رموزها؛ إذ إن أول قبقاب مكتشف فيها يعود إلى 850 عامًا. وترجع القباقيب إلى أيام الفاطميين والعثمانين؛ فقد كانت تُستخدم في الحمامات العامة لمنع الانزلاق؛ إذًا، فالقبقاب ثقافة جماعية في وعي الناس في تلك الفترة.

لنعرف أهمية القبقاب ودوره ملبوسًا لدى الدمشقيين، نقرأ في مؤلف يوسف نعيسة “مجتمع مدينة دمشق” في جزئه الثاني: “ومن لباس القدمين أيضًا القبقاب الذي كان يُلبس داخل البيت وخارجه، خاصة في أيام الشتاء، وكان يُصنع من خشب الصفصاف أو الحور أو الجوز لكثرة هذه الأشجار في دمشق، وله سير من الجلد يطوق مشطي القدمين، واستخدمه الكبار والصغار والرجال والنساء. وكان لقبقاب النساء وظيفة جمالية؛ لأنه يزيد من طولهن ويرفع ثيابهن عن الأرض، فيسرن بغنج ودلال، خاصة في الحفلات. ولقد راجت صناعة القبقاب في دمشق، وكانت سوق خاصة به، تقع جنوب الجامع الأموي. ووصل عدد قباقيب بعض النسوة إلى 30 زوجًا.

وكانت القباقيب تُعرض مع جهاز العروس، ولقد تفنن القباقبية بصنعها؛ فطعّموا خشبها بالمعادن والحجارة الكريمة والصدف، وطرزوا سيورها بخيوط من الذهب والفضة، وكانت القباقيب أنواعًا متعددة، كالشبراوي والساذج والمطعم بألوان مختلفة، ولقد اختلف شكل القبقاب ونوعه ما بين الأغنياء والفقراء، واختلف ما لُبس منه داخل البيت وخارجه، وبقي استعماله في دمشق حتى القرن العشرين”.

تبدأ مراحل صنع القبقاب بتقطيع الخشب إلى شرائح، بحسب المقاس المراد، ثم يزيل الحرفي الصانع الزوائد، ويشكل الكعب الذي يختلف ارتفاعه، وبعد ذلك يُنعَّم تمهيدًا لطليه، وأخيرًا يركب السير عليه؛ فصناعته عمل فني يقوم على النحت والحفر، تحتاج صانعًا ماهرًا يحمل لمسة فنية.

في الوقت الحالي تعيش صناعة القباقيب رمقها الأخير، وتوشك على الفناء والتلاشي، بعدما كانت ملهمة لكثير من دور الأزياء العالمية التي اقتبست بعض تصميماتها واستخدمتها لترويج منتجاتها.

سنان غانم ساتيك
كاتب سوري، له أبحاث ومقالات لغوية وثقافية منشورة

جيرون

(Visited 10 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

آخر مصنّعي الأحذية الخشبية في هولندا يدافعون عن فنهم

آخر مصنّعي الأحذية الخشبية في هولندا يدافعون عن فنهم

بعدما كانوا بالآلاف قبل بضعة عقود فقط، لم يعد في هولندا سوى حوالى ثلاثين حرفيا …