الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / المرأة في الإعلام الجديد: حظوظ أكبر للتقدم… والتنميط

المرأة في الإعلام الجديد: حظوظ أكبر للتقدم… والتنميط

أكثر من ثلاث ساعات هي مدة عشاء مع صديقات، تركز الحديث خلالها على امرأة لا تعرفها أي منا معرفة شخصية. المرأة واحدة من «الفاشيونيستاز» المعترف بنجاحهن في بيروت. عدم اهتمامي الظاهر بداية الحديث، استفز احدى الصديقات التي دعتني الى مشاركة اكثر «انفتاحاً»، بما انني مثل «نجمة انستاغرام» اسعى، وإن بطريقة اخرى عبر مهنتي، الى مخاطبة الرأي العام. لم يفت صديقتي ان تذكرني بأن اكثر من مليون شخص يتابعون «الأنفلونسر» أو «المؤثرة»، كما باتت شركات الإعلانات تسمي المدونات الناجحات.

المرأة في الإعلام الجديد: حظوظ أكبر للتقدم... والتنميط
لم أجد المقارنة منصفة. لو قبلت كصحافية محترفة ان ادخل في منافسة على «نجومية» مرتبطة بأعداد اللايكس والشيرز، اكون قد سلمت سلفاً بخسارة لا تخصني وحدي، انما تنطبق على كل صحافة غير شعبوية.
ضحكت وقلت للصديقة ان اياً من التحقيقات والتقارير والقصص الصحافية والمقالات التي عملت عليها خلال عشرين عاماً، لم يحظ بالاهتمام والمشاهدات التي نالها فيديو لي اثناء تغطية تلفزيونية مباشرة، صرخت فيه عن غير قصد بعدما دفعني مرافق احد السياسيين… الفيديو الأكثر شعبية في حياتي المهنية، هوعبارة عن خطأ لا تتجاوز مدته الأربع ثوان.
لو قبلت الأستسلام لفكرة ان مخاطبة الرأي العام تقتصر على تلبية شروط ما هو شعبي، لكان علي ومنذ وقت بعيد التنازل عن أكثر المبادئ المهنية.
جوابي هذا لم يكن شافياً، حتى بالنسبة إلي.
راقني الأمر أولاً، وعلى رغم اقتناعي التام بأن الصحافة بمبادئها التقليدية ضرورة لتقدم اي مجتمع، علي ان أعترف بأن اشكالأ جديدة من الإعلام الحديث، الشعبي، باتت توفر مساحات نقاش لا يخلو من ايجابيات، حتى ولو كان في معظمه وفي أفضل الأحوال سطحياً.
مما لا شك فيه، ان وسائل التواصل الأجتماعي وعلى رأسها فايسبوك اعطت دفعاً غير مسبوق لعدد من القضايا الكبرى مثل العنصرية والفروقات الاجتماعية، التي لطالما تجاهلها الإعلام السائد ببساطة لأنها تتناقض مع مصالح القيمين عليه. وأوجد رواج هذه المواضيع عبر وسائل الإعلام الحديث طلباً لم يعد بإمكان الوسائل التقليدية تجنبه.
يصح هذا القول وفي شكل اكبر وأوضح على صعيد المرأة وقضاياها. والموقع «الإخباري» الأسرع نمواً في الولايات المتحدة في العام ٢٠١٥، كان موقع «اشياء صغيرة» او little things.com الذي تجاوز عدد متابعيه خلال عام واحد 1.7 مليون زائر خاص يومياً.
وبيّنت مقالة نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» ان المدونة التي تنشر محتوى تعتبره مؤسسته «ملهماً وجذاباً» وتصفه الصحيفة بأنه «مزرعة محتوى غامضة» تعتمد في شكل اساسي على «الأمهات» او «السلاح غير السري» الذي يجتاح الإنترنت، ومن هنا تعبير «أوممة» الإنترنت Momification of the internet.
كاتبة المقال رأت ان القيمين على الموقع، ومواقع اخرى مثل upworthy و viral nova، اعتمدوا سياسة نشر تتوجه بمضمونها الى فئة النساء بين ٣٠ و٤٥ سنة.
والمادة المعتمدة قليلة الكلفة اذ يتم تجميعها عبر الإنترنت، يعاد تعليبها وإضافة عناوين جاذبة للفئة التي «يعشقها» المعلنون، فئة المستقلات مادياً» وفئة ربات المنازل القيمات في شكل اساسي على مصروف العائلات، فضلاً عن كون النساء اكثر تفاعلاً (مشاركة وتعليقاً)، وبالتالي اكثر تأثيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

من ليما إلى القاهرة
متابعة سريعة للمادة المنشورة على موقع «أشياء صغيرة»، تظهر المئات من الفيديوات المتعلقة بالطبخ، و»الحيل» المتعلقة بتربية المراهقين، وقصص عن الحيوانات الأليفة تحظى كلها بعشرات آلاف المشاهدات… ولكن ايضاً، فيديو من البيرو عن التحرش الجنسي، يعرض تجربة قامت بها صحافية، تقول انها وجدت بعد البحث شابين يقومان بالتحرش الجنسي لفظياً. فاتفقت مع والدتي الشابين على ان تتنكر وتتجول في مكان وجود كل منهما. كما كان متوقعاً، تلفظ الشابان بعبارات نابية وأدبتهما الوالدتان المصدومتان.
نظراً إلى ضبابية المصدر، لا يملك المتلقي اي ضمانات ان التجربة واقعية وأن الفيلم لم يصوّره محترفون، الا ان ذلك لا يغير من حقيقة انه فتح نقاشاً غنياً حول ظاهرة تبدأ في ليما ولا تنتهي في القاهرة وتواجه النساء في كل مكان.
وقد أدى رواج نقاشات من هذا النوع، في شكل او أخر الى تطوير المحتوى المخاطب للنساء عبر الإعلام السائد، كما انه كان من بين الأسباب غير المباشرة التي عززت حضور المرأة في وسائل الإعلام لا سيما الإلكترونية منها.
وأظهرت دراسة اجراها المركز الإعلامي للمرأة Women’s Media Center أن الرجال لا يزالون يسيطرون في شكل كبير على ما يُنشر، اذ ينتجون ٦٢.٧١ في المئة من المادة الإخبارية مقابل ٣٧.٣ في المئة تنتجها نساء. النسبة تكاد تكون مطابقة على صعيد اكبر عشر صحف اميركية مبيعاً حيث يكتب الرجال ٦٣ قصة مقابل ٣٧ قصة تكتبها نساء لتنخفض النسبة على مواقع الإنترنت الى ٥٨ في المئة للرجال مقابل ٤٢ للنساء.
في موازاة تطور «المضمون» بما يخدم شروط السوق، سواء كان ذلك عبر وسائل الإعلام المهنية او «مزارع المحتوى»، ثمة ظواهر اخرى تجعل اختصار المشهد بشقه الاقتصادي، على اهميته، غير منصف للنساء وللإنترنت على حد سواء.
فعلى رغم كل الأخطار الحقيقية التي يطرحها العالم الأفتراضي، بدءاً من كون الإنترنت الوسيلة الأولى للاتجار بالبشر الذي تشكل النساء ضحاياه الأولى، وصولاً الى ما تتعرض له «منتجات المضمون» من اعتداءات، تبقى الكفة ومن دون شك راجحة لجهة تطوير المضمون بما يخدم تمكين المرأة وتحسين شروط حياتها.
والأمثلة أكثر من أن تحصى. من مشروع أماكوياما (حب الأم) في قرى النيبال الذي يقدم باللغة المحلية محتوى يتوجه الى الحوامل، الى مشروع هامارا في باكستان الذي يعلم النساء كيفية حماية انفسهن عبر النت، الى مئات المشاريع المشابهة تصل الى ملايين النساء في كل مكان. حتى في البلدان المتطورة، تسعى مشاريع صغيرة الى مواجهة انماط جرى تكرسيها على مدى عقود حدت من امكانات المرأة ومنافستها في سوق العمل. حملات من نوع «اللون الزهري مقرف» Pink Stinks او «لتكن الألعاب مجرد ألعاب» Let Toys Be Toys و «المشروع التمثيلي» The Representative Project، تضغط لكي تتوقف شركات الإنتاج والألعاب عن الترويج لنمط الفتاة الأميرة المنتظِرة وصول اميرها.
قد يكون من المبكر الحديث عن نتائج، لكن من دون شك هناك بوادر مشجعة… ديزني، وللمرة الأولى في تاريخها أنتجت فيلم هو «فروزن» Frozen اعطت فيه دور البطولة المطلقة لفتاة تصبح قوية ليس عند لقاء اميرها، ولكن عند الوثوق بمقدرتها الخاصة… أعداد النساء على رأس مؤسسات اعلامية من «هافنغتون بوست» الى «أشياء صغيرة»، الى تزايد ونجاحهن تسجله مراكز الدراسات، وتفرض الحديث عنه على مؤسسات نخبوية مثل «هارفرد بيزنس ريفيو» الذي نشر أخيراً مقالاً اعتبر ان «انجح المؤسسات في الأعوام الأخيرة هي المؤسسات التي تضم بين اعضائها المؤسسين نساء».
الأمور تتغير ببطء ولكنها تتغير. اي تطور ايجابي على الأغلب لن يكون بسبب فاشيونيستا، اياً يكن عدد متابعيها، ولكن من يدري ما قد تصل إليه مبرمجة ألعاب إلكترونية تعمل بهدوء في مكتب شركة «نعم» للألعاب الإلكترونية في عمّان، تتخيل وتنفذ لعبة اسمها «ثورة فتاة».

عليا إبراهيم

الحياة

(Visited 4 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …