الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / شعوب و ثقافات / تعليق على تسمية الشهور العربية

تعليق على تسمية الشهور العربية

 

بعد معرفتنا معنى الشهر وعلاقته مع القمر، يقع الحديث الآن على الشهور العربية الاثني عشر، وكيف سمتها العرب؛ إذ يقال: إن أول من سمى الأشهر بالأسماء المستعملة (المحرم وصفر وباقي الأشهر) كلاب بن مرة.تعليق على تسمية الشهور العربية نعتمد -في ذلك- على كتاب “الأيام والليالي والشهور” للفراء، و”صبح الأعشى” للقلقشندي.

نجد عند الفراء أول الشهور المُحرم. قال الفراء: “وإنما سمي المحرم محرمًا؛ لأن العرب كانوا يحرمون القتال فيه”. وقال بعضهم إنما سمي المحرم لأنه حرام.

ويذكر أن صَفَرًا سمي بذلك؛ لأن العرب كانوا يغزون فيه الصَّفَريَّة، فيمتارون الطعام. وقال بعضهم: الصفرية: سَفرة لهم كانوا يسافرونها. وقال بعضهم: إنما سمي صفرًا لإصفارهم مكة من أهلها إذا سافروا.

وورد في اللسان سموا الشهر صفرًا؛ لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون من لقوا صفرًا من المتاع. وفي موضع آخر، وقال بعضهم: إنما سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يمتارون فيه من المواضع.

أما ربيع، فقد سمي؛ لأن العرب كانوا يرتبعون فيه؛ ولارتباعهم فيه ورعيهم العشب سمي ربيعًا. وهو فعيل بمعنى مفعول. تقول: رَبع فهو ربيع.

وجُمادى، قال الفراء: هكذا جاء عن العرب بضم الجيم لا غير، ولو جاء: جِماد بالكسر كان صوابًا، مثل قولك: عِطاش. جمادى هو الشهر الوحيد المؤنث؛ لأن جُمادى بنيت على فُعالى؛ وهذا الوزن لا يأتي إلا للمؤنث. وإنما سميت جمادى؛ لجمود الماء فيها.

رجب، وإنما سمي رجبًا؛ لترجيبهم آلهتهم أي لتعظيمهم إياها. والترجيب: التعظيم؛ وهو أن يعظموا آلهتهم ويذبحوا عنها. وقال بعضهم: إنما سمي رجبًا لترجيبهم الرماح من الأسنّة؛ لأنها تنزع منها فلا يقاتلون فيه.

وفي شعبان قال: وإنما سمي شعبان لتشعب القبائل فيه وتفرقها. ويقال: إنما سمي شعبان لأنه شعب بين رمضان ورجب.

وعن تسمية رمضان يروي الفراء: وإنما سمي رمضان لرموض الحر وشدة وقوع الشمس فيه. وقال بعضهم: لارتماض الأرض بالحر.

وشوّال إنما سمي شوالًا؛ لشولان النوق فيه بأذنابها إذا حملت أي لرفعها أذنابها، وقال بعضهم: إنما سمي شوّالًا؛ لأن الألبان تشول فيه أي تقل. يقال شال اللبن يشول شولًا وشؤولًا إذا قل. وذو القعدة سمي بذلك؛ لقعودهم في رحالهم عن الغزو، لا يطلبون كلًا ولا ميرة. وذو الحجة سمي ذا الحجة؛ لأنهم يحجون فيه.

وعند القلقشندي نجد تدانيًا في تسمية الشهور نفسها، كما نطقت بها العرب المستعربة، وجرى الاستعمال عليها، كما وردت عند الفراء، مع زيادة أن النحاس قال: وإنما قالوا ربيع الآخر وجمادى الآخرة، ولم يقولوا ربيع الثاني وجمادى الثانية، كما قالوا السنة الأولى والسنة الثانية؛ لأنه إنما يقال الثاني والثانية لما له ثالث وثالثة، ولما لم يكن لهذين ثالث وثالثة قيل فيهما الآخر والآخرة، كما قيل في الدنيا والآخرة.

تستوقفنا التسميات السابقة؛ كي نعرف كيف وضعت، وما الأسس التي ارتكزت عليها؛ حتى وضعت بطريقة اصطلاحية لتدل على كل شهر، اعتمادًا على ظواهر بيئية ترافقه، أو أحداث كان يشهدها، أو لأمور تقديسية.

إذا عدنا إلى الأحداث، أو أمور العبادة التي كانت العرب تمارسها، يمكننا فهم أسماء الأشهر المتعلقة بها، لكن بالنسبة إلى الأشهر المرتبطة بعوامل طقسية، فمن المعروف أن هذه الشهور تتحرك عبر أيام السنة، وتدور دورة كاملة كل ثلاثين عامًا تقريبًا، فكيف نستطيع أن نطمئن إلى أن تسمية رمضان لرموض الحر، فهو يأتي أحيانًا شتاءً. وكذلك الحال مع جمادى؛ فهو سيقع في غير فترة جمود الماء، مع انتباهنا إلى مناخ الجزيرة العربية الحار الذي لا يسمح بتجمد الماء، إلا إذا كانت التسمية خرجت مجازًا، أو كناية عن برودة الماء، من دون وصولها إلى التجمد. وربيع الذي سمي لحلوله في فترة نمو العشب ورعيه؛ أليس هو الآخر قد يأتي شتاء أو خريفًا؟! وشوال كذلك سمي لشولان النوق بأذنابها عندما تحمل، فبعد بضع سنوات معدودات، سيحل شوال في غير وقت حمل النوق. ولماذا هناك رأي بأن شعبان سمي بهذا الاسم لتشعبه بين رمضان ورجب؛ فهذا التخريج غير فعال، ولا يدل على معنى حقيقي، ونرى أن الميل إلى الرأي القائل لتشعب القبائل فيه، فما المعنى أن يكون شعبان هو المتشعب بين رمضان ورجب؟ ولمَ لمْ يسموا صفرًا -مثلًا- بشعبان؛ لتشعبه بين المحرم وجمادى؟ إلا إذا كانت التسمية أنه متشعب بين شهرين لهما مكانة لدى العرب، لكن لم يُشر إلى ذلك.

وجود أكثر من رأي عن تسمية بعض الأشهر طبيعي؛ لاختلاف الذائقة البشرية التي ترصد ما حولها، فكل نفس ترصد ما لا ترصده الأخرى، وتلاحظ ما لا تلاحظه غيرها، مع تفاوت البشر في مَلكاتهم وقدرتهم على تحليل المحيط. ولقد رأينا أن أول من سمّى هذه الشهور كلاب بن مرة، فلا بد أن يكون كلاب قد اصطلح هذه التسميات انسجامًا مع العوامل التي لاحظها، ومع الأحداث التي عايشها، فهذه الشهور التي سميت نسبة إلى العوامل الطقسية فيها، من الجائز أن يكون ابن مرة قد سمّاها، بينما رأى أنها كانت تحل فيها.

 

سنان غانم ساتيك
كاتب سوري، له أبحاث ومقالات لغوية وثقافية منشورة

جيرون

(Visited 15 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

آخر مصنّعي الأحذية الخشبية في هولندا يدافعون عن فنهم

آخر مصنّعي الأحذية الخشبية في هولندا يدافعون عن فنهم

بعدما كانوا بالآلاف قبل بضعة عقود فقط، لم يعد في هولندا سوى حوالى ثلاثين حرفيا …