الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / ثقافة الحوار: جدل أم شجار؟

ثقافة الحوار: جدل أم شجار؟

تُعدّ اللغة العربية من أغنى لغات العالم، من حيث المفردات والأضداد والمصطلحات والتعابير، وقد نُشر عدد كبير من الكتب والموسوعات اللغوية التي تؤكد هذا الغنى.ثقافة الحوار: جدل أم شجار؟ وحاول مَجمعُ اللغة العربية وغيره من المؤسسات المختصة باللغة، مواكبة العصر الحديث، بإضافة عدد من المصطلحات العلمية الحديثة ليتم استخدامها كجزء من اللغة العربية الفصيحة، خاصة ما يتعلق منها بالاختراعات والابتكارات الجديدة، إلى جانب تعريب بعض المفردات لتصبح جزءًا من لغتنا، وفعلًا تحققت بعض الإنجازات الناجحة، وباء بعضها الآخر بالفشل وعدم القدرة على الصمود أمام المفردة الغربية.

هذا من الناحية العلمية، أما من الناحية الثقافية والسياسية، فمع الأسف، كان للركود الثقافي، في ظل الطغيان السياسي في الوطن العربي، أثرٌ سلبي على التطور اللغوي. فإذا أخذنا -على سبيل المثال لا الحصر- تعبير “الصدام السياسي” أو “النقاش الفكري الحاد” و”الخلاف الثقافي الجذري” و”التباين الاجتماعي”، فإننا لا نكاد نرى له ترجمة دقيقة في العربية.

فتعبير مثل Streitkultu في اللغة الألمانية، ويعني “ثقافة الاختلاف”، ويتضمن معنى “الخلاف الجذري” الذي يمكن أن نطلق عليه بالعربية “التشاجر الكلامي بطريقة حضارية”، وهو ما يقال عنه في الإنكليزية Culture of Debate نراه غير موجود، كمصطلح معتمد في الخطاب اليومي الإعلامي والسياسي والاجتماعي، وفي الخطاب الديني والفكري والفلسفي، ويبدو غائبًا أيضًا في الخطاب الاقتصادي العربي، على الرغم من وجود مصطلح “ثقافة الحوار” الذي راج استخدامه مؤخرًا، ولكنه لا يعطي المعنى المقصود تمامًا!

ويبدو لي أن هذا الشح في التعابير المستخدمة لا يعود إلى قصور في قدرة اللغة العربية على التطور، بل يعود إلى الجو الاجتماعي العام الذي فُرضَ عليه الخلو من هذه النقاشات المتعلقة بوجهات النظر المختلفة، باعتبارها مثيرة للجدل، ما أدى إلى تفاقم هذا الفقر اللغوي الشديد في التعامل مع مسألة “الاختلاف الحاد” في الرأي.

هنا تحضرني إحدى المحاولات الإعلامية التي كان من المتوقع لها أن تُؤسس لمثل هذه الثقافة، وهي محاولة قناة (الجزيرة) في برنامج “الاتجاه المعاكس” الذي كان رائدًا بلا شك، في ذلك الحين، وأذكر مثالًا واضحًا على ذلك تلك المناظرة، بين الدكتور السوري اليساري صادق جلال العظم، والشيخ المحافظ يوسف القرضاوي. لكننا – مع الأسف- نرى أن هذا البرنامج اليوم فقد ميزته في ما يمكن تسميته هنا “ثقافة المناظرة”، وتحوّل إلى حلبة لصراعٍ الديكة، وبات من الصعب أن تأخذ منه أي معلومة جديدة، ناهيك عن عدم قدرته على التأثير في وجهة نظر المشاهد، سواء أكان مع المسألة المطروحة في النقاش أو ضدها.

في هذا السياق، أرى أن استخدام مصطلح “المناظرة” قد يكون مناسبًا في مثل هذه الحالات، وما علينا إلا بعثه من مرقده، واستعماله على نطاق أوسع، ليكون على مستوى التحديات القادمة.

ومع ذلك، تبقى كلمة “مناظرة” غير كافية للتعبير عن مصطلح مثل Political dispute بالإنكليزية أو Politischer Streit بالألمانية، فهما لا يعنيان تمامًا المناظرة بين شخصين على أمر معين، بل يعنيان خلاف وجهات النظر بين المدارس الفكرية أو الأحزاب السياسية أو الطوائف الدينية. وهنا أيضًا لا نكاد نجد اصطلاحات معتمدة ومقبولة في الخطاب اليومي، لهذه الخلافات والمشاجرات السياسية. في هذا السياق، أجد نفسي مضطرًا إلى استخدام مفردة مثل “المشاجرة” التي توحي بنقاشٍ متخمٍ بالمشاكل، ولا تعكس – لغويًا ولا اجتماعيًا- تصورًا حضاريًا للتعامل مع مسألة الخلاف أو الاختلاف.

إن مقولة “من ليس معي فهو ضدي” ما زالت سائدة في مجتمعاتنا العربية، وهي -للإنصاف- ليست من صنع الحكومات الدكتاتورية فحسب، على الرغم من أن الحكومات ساهمت في ترويجها على نطاق واسعٍ، على الصعيد السياسي، لكنها مقولة متغلغلة في النسيج الاجتماعي والثقافي لمجتمعاتنا، وتمنعها من فتح الباب أمام التعامل الحضاري مع فكرة الاختلاف، وتحول دون تطور حوار مبني على الاحترام المتبادل، مهما كانت حدة الخطاب المستخدم، وتمنع إمكانية الوصول إلى نقاط التقاء مشتركة، ولو في تفصيل بسيط أو بضعة تفاصيل، قد تكون القاسم المشترك في محاولة الوصول إلى مبادئ قيمة، يمكن أن يتم اعتمادها من الجميع، على الرغم من خلافاتهم السياسية والفكرية والدينة والطائفية.

هنا لا بد من التأكيد أن المناظرة الحادة أو المشاجرة بكل أنواعها، سياسية كانت أم اجتماعية أم دينية… إلخ، لا يجوز لها – في حال من الأحوال- أن تتحول إلى عداء بين الأطراف المشاركة فيها. هذا العداء الذي يبدو واضحًا اليوم، بين الأطراف المختلفة على الساحة العربية، ويتجلى بمدى سهولة إلقاء تهم التخوين والتكفير على الأشخاص المخالفين بالرأي، حيث تبدأ هذه التهم شفاهًا أو كتابةً، ولا تلبث أن تتحول – بسبب السكوت عنها- إلى شكل من أشكال العنف المنهجي والإرهاب الذي قد لا يتوانى عن هدر دم الشخص الخصم أو سفكه. ويعتقد الجاني جازمًا، في هذه الحالة، أنه يقوم بعمل بطولي، وإن وصل الأمر إلى موته في هذا السبيل، معتقدًا أنه سيكون من الأبطال أو الشهداء. وهذا لا يصب في فكر التنظيمات الإرهابية والتكفيرية فحسب، بل يعني كل فصيل أو تنظيم أو حزب يتخذ من تجريم الخصم الفكري أو السياسي وسيلة لإزاحته، سواء عن طريق العنف اللفظي أو التكفير أو التهجير أو السجن، وصولًا إلى التصفية الجسدية.

قد يستشهد البعض، في هذا السياق، بمقولات مثل “نتعاون مع بعضنا في ما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضًا في ما اختلفنا عليه” التي وردت في كتابات المفكر رشيد رضا، واستخدمها من بعده حسن البنا حتى اشتهرت على لسانه، وأرى أنها ليست جوابًا على المعضلة التي أحاول البحث فيها اليوم. كونها أولًا، تنطلق من خلاف بين المسلمين أو بين الاتجاهات الإسلامية فحسب، ثانيًا، لأننا لسنا بصددِ إيجاد الأعذار لبعضنا البعض بل بالعكس تمامًا. التحدي الذي نحن بصدده اليوم هو إيجاد وسيلة حضارية للتعبير، ومناقشة الخلاف والاختلاف، من دون أن نكون مضطرين إلى اختلاق الأعذار، وكأن أحد الفرقاء على خطأ والآخر على صواب.

اليوم نحن بحاجة ماسة إلى البحث عن وسائل وطرق للمشاجرة والمخاصمة والحوار الحضاري، ولو كان قاسيًا لفظيًا، سواء داخل الفريق نفسه أم بين الفرق في عالمينا العربي والإسلامي، ولا يمكن اعتبار هذا الأمر رفاهية أو ترفًا فكريًا، بل هو حاجة أساسية، مثل الماء والهواء، لبناء مجتمع قوي، ولإعادة بناء البشر والحجر في الدول التي تعرضت للتدمير، والمجتمعات التي ضاعت في الشتات.

طرفة بغجاتي
17 مارس 2019
جيرون

(Visited 9 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

هل يمكن إطفاء الإنترنت؟

هل يمكن إطفاء الإنترنت؟

كما تعرفون، أصبحت شبكة الإنترنت الأداة التي نستخدمها، جميعا، على مدار الساعة يوميا، سواء في …