جمانة حداد:حشرات

أنظر من حولي اليوم فلا أملك إلا أن أفكّر بأن كل واحدة وواحد منا قد أصبح، بشكل من الأشكال، مسخاً، أو حشرة مقرفة، على طريقة بطل رواية كافكا الشهيرة، بسبب الحياة اللئيمة، المهينة، الصدئة، التي بتنا نعيشها في هذا البلد.جمانة حداد

الفرق بيننا وبين شخصية الرواية هو أن غالبيتنا لم تدرك بعد فظاعة هذا التغيير الذي ألمّ بها، أو بالأحرى، الذي فُرض عليها فرضاً، ولكن بسلاسة ومكر، طوال عقود من التيئيس واليباس والحلقات المفرغة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخ.

قد تعتبرون تشبيهي لنا نحن معشر اللبنانيين بالحشرات مهيناً، وشكلاً من أشكال الشتيمة، لكنه ليس كذلك البتة، صدّقوني. فكّروا معي: من يعيش وسط اكوام الزبالة؟ الحشرات (ونحن أيضاً). من يزحف زحفاً، رغماً عنه أو راغباً؟ الحشرات (وغالبيتنا أيضاً ممّن هم مستزلمين لهذا الزعيم أو ذاك). من هو محض قوت للأقوى منه في السلسلة الغذائية؟ الحشرات (ونحن أيضاً إذ يتغذى الساسة من لحمنا ويشربون من دمنا). من يُستِخفّ به ويُسحِق ويباد؟ الحشرات (ونحن أيضاً، للأسف).
قد صرنا مسوخاً، أجل، أو نكاد.

بطل رواية كافكا تمنّى أن يكون تحوّله الى حشرة مجرد كابوس لن يلبث أن يستيقظ منه، قبل أن يستسلم ويدرك أن هذا مستحيل. فهل نستسلم مثله، أو نتمرّد على فقدان الهوية والشعور بالخزي والوجع والغدر وعلى انعدام قدرتنا على التواصل الطبيعي مع العالم؟

هل نستسلم مثله، أو نستعيد إنسانيتنا، أي كرامتنا ووعينا واحترامنا لذواتنا، قبل فوات الأوان؟

جمانة حداد
29/11/2018
مونت كارلو الدولية

(Visited 18 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

Aroub_soubh_عروب صبح

عروب صبح: “الوضع فلافل”

في دولنا حالة مبهرة من الإنكار نعيشها من المحيط إلى الخليج… حسنا! يعيشها البعض ! …