الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / جمانة حداد: “غسل الوحل”

جمانة حداد: “غسل الوحل”

كان لا بدّ أن تمطر قليلاً في بيروت والضواحي، كي ينشغل الناس بالمطر، وتغرق الطرق بالمياه، وتسدّ السيارات المنافذ، ويعلق الجميع في ورطة السير. وكأن اللبنانيين في يوم الحشر.جمانة حداد

ذلك، على رغم علله، وعلى رغم الانعكاسات المخيفة التي تصيب أعصاب المواطنين بالتلف، أفضل، في رأيي، بكثير، من استغراق الخطاب السياسي لدى البعض في مستنقع الشتائم والاتهامات والغرائز الشعبوية والمذهبية.
فقد حفلت الأيام الأخيرة في لبنان بنهوض هذا الخطاب نهوضاً ينذر بانفلات المعايير التي لا يجوز تخطّيها في أيّ حالٍ من الأحوال.

ما معنى أن يذهب زعيمٌ ناشئ إلى منطقة شهدتْ مآسي وحروباً دموية بين الطوائف، فيغذّي التشنجات فيها، ويوقظ الأوجاع النائمة؟ أي أخلاقيات هي هذه عندما يفعل ذلك من أجل استدرار أصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة؟

أيّ مشهدٍ سياسي هو هذا، عندما لا يتورّع الخطاب السائد عن استخدام أبشع الأساليب؟ حتى لَيبدو لبنان رهينَ طبقته السياسية التي صادرتْ كلّ شيءٍ جميلٍ في هذه البلاد الرازحة تحت وطأة الإفقار المنظّم والنهب المنظّم واليأس المنظّم، والتي، من أجل المحافظة على مراكزها ومصالحها، يمكنها ان ترتكب كلّ الموبقات، بدون وازعٍ أخلاقي أو ثقافي أو وطني.

ليتها تمطر أكثر. ليت الشوارع المحيطة ببيوت معظم الزعماء والسياسيين تغرق بالمياه، لعل خروج هؤلاء إلى الحيّز العام يصبح صعباً ليوم واحد أو يومين.

ليس من أجل إيقاع الأذى الجسدي بأحد، بل من أجل رفع الهول اللغوي واللفظي المخيف والمثير للقلق، هذا الذي يتراكم على صدور الناس، وفوق أحلامهم الذبيحة.

قليلاً من المطر أيتها الغيوم، بل كثيرا، لعله يغسل كل هذا الوحل.

جمانة حداد
19/10/2017
مونت كارلو الدولية

(Visited 15 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …