الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / جمانة حداد: “ما تعلّمته من ولديّ”

جمانة حداد: “ما تعلّمته من ولديّ”

قبل أن أصير أمّاً، كنتُ صمّاء. كنتُ “أسمع”، لكني لم أكن “أصغي”. كنتُ أعزو ذلك إلى كوني إنسانة صلبة، متماسكة، تعرف تماماً ما تريد.جمانة حداد كنتُ أرى في ذلك قوة وعزمًا وحكمة. كنتُ أختار أجمل الكلمات لأصف ما أنا عليه، فأتبجّح بحرصي وتنبّهي، وأشيد بقدرتي على حماية نفسي من الآخرين.

ثمّ حدث أجمل ما يمكن أن يتخيّله عقل بشريّ

كنت بالكاد قد بلغتُ العشرين من عمري عندما بدأ كائن صغير ينمو في داخلي، كائن راح يشاركني مساحتي الأكثر حميمية. مكث فيها طوال تسعة أشهر، ثمّ خرج من بعدها مبتسمًا قائلاً: “مرحبًا. اسمي منير، وأنا ابنكِ. تشرّفتُ بمعرفتكِ!”.

ما إن أنصتُّ إلى منير، حتى تغيّر كلّ شيء.

كثرٌ يظنّون التربية سهمًا أحاديّ الاتّجاه، يتجه حصراً من الوالدين إلى الأولاد، من القديم إلى الجديد، من السلف إلى الخلف. لكنّني تعلّمتُ، أنا الأمّ، الكثير من ولديَّ منير وشقيقه الأصغر أنسي. لقد ربّياني وثقّفاني بقدر ما ربّيتهما وثقّفتهما.

من بين المعجزات العديدة التي اجترحها ولداي فيّ، أنني شفيتُ من الصمم الذي كنتُ أعانيه. بفضلهما تعلّمتُ أن أتقبّل الآراء المختلفة، الأذواق المختلفة، وجهات النظر المختلفة، الخيارات المختلفة، الشخصيّات المختلفة. بفضلهما تعلّمتُ أن أتلقّى، أن أفتح ذراعيّ، أن أطلِق عقلي نحو آفاق أخرى. حرّرني الإصغاء إليهما من عنادي، من تشبّثي السطحي بآرائي، من حياة سابقة احترفتُ فيها التجاهل والاجتناب والنكران.

بدورهما، أصغى منير وأنسي إليَّ، واحترما اختلافي. وسأبقى ممتنّة لهما مدى عمري على ذلك، وسواه.

ولن تجدوا أُمّاً، في العالم أجمع، أكثر فخراً مني.

جمانة حداد
مونت كارلو الدولية

(Visited 27 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …