الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / جمانة حداد: “نصف الكأس”

جمانة حداد: “نصف الكأس”

اتُهمتُ، أكثر من مرّة، بأنني لا أرى سوى النصف الفارغ من الكأس اللبنانية، وبأن انتقاداتي المستمرة للوضع الراهن، أنا وسواي من “غربان الكتابة”، “تُجرِّصنا” وتُثني السيّاح عن زيارة البلد.جمانة حداد

لكن هذا ليس صحيحاً، ولا نحن مازوشيون نتمتّع بممارسة التشاؤم: نحن، بكل بساطة، أشخاص يواجهون الحقيقة المرّة عيناً بعين ويسمّون الأشياء بأسمائها، بينما كثر في لبنان، بل الغالبية أكاد أقول، هم أبطال الإنكار بامتياز. هؤلاء يعتبرون إنكارهم هذا غريزة بقاء، لكنه في الواقع مرض يقتلنا جميعاً ببطء، كذبةً بعد كذبة.

صدّقوني، لا أريد الانتقاد ولا أحبّه. لا أريد نشر غسيلنا الوسخ ولا يفرحني ذلك البتة. لكني لا أريد، في المقابل، العيش في فقاعة من اختراع أنانياتي الضيّقة. لا أريد إغماض عينيّ وضميري وقلمي عمّا يجري من حولي.

لا أريد وطناً يقتلني على مهل: يقتل همّتي وحماستي ورغبتي في الاستيقاظ صباحاً ويقتل ما بقي من أحلامي. لا أريد أن يدفع إبنايَ ثمن قرارات اتخذها آخرون بالنيابة عنهما. لا أريد لهما الاعتذار أو الندم لأن المصادفة شاءت أن يولدا في بلد اسمه لبنان. لا أريد أن يُنظَر إليهما في الخارج كإرهابيين محتملَين حتى إثبات العكس، لا لسبب سوى لأنهما يتكلمان العربية.

قلة قليلة للأسف تعي أن ما يحدّدنا كبشر ليس المنطقة الجغرافية التي ترعرعنا فيها، ولا اللغة التي نتواصل بها، ولا الدين الذي ورثناه من أبوينا.

ما يحدّدنا حقاً هو ما نفعله بحيواتنا، والقيم التي ندافع عنها، والخيارات التي نقوم بها، والقرارات التي نتخذها، وأيضاً وخصوصاً صدقنا مع أنفسنا قبل الآخرين.

قد تكون الكأس اللبنانية نصف ملأى، لكن يملأها شيء واحد اليوم، اسمه الوهم.
بين أيدينا نحن، نحن فقط، قرار استبدال الوهم بالأمل.

 

جمانة حداد
مونت كارلو الدولية

(Visited 16 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …