الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / داليا الحديدي تكتب: العباقرة لا ينجبون نوابغ

داليا الحديدي تكتب: العباقرة لا ينجبون نوابغ

كُتِب مراراً عن ظاهرة “الأول”، حيث ثبت بالواقع أن غالبية أوائل الصفوف الدراسية لم يصادفوا نبوغاً في ميادين الحياة رُغم توقعات المحيطين التي عاندها القدر.داليا الحديدي

فلخريطة الواقع تضاريس نادراً ما استطاع ” أوائل” الفصل بلوغ قمتها، رغم تربع نكرات عالم الدراسة عليها، من طلبة كانت لهم ظروف موغلة في العتمة و القساوة.

و اللافت أن هناك ظاهرة أشد غرابة، هي أن العبقرية لا تورث، فكثيراً ما يوَرّث الآباء وظائفهم للأبناء، لكنهم نادراً ما يرثون نبوغهم.

فكم من رجل أعمال أنجب تجاراً، و جراحين أنجبوا أطباء وأساتذة خلفوا مدرسين أضاعوا العلم، لكن قلما أنجب عبقري نابغة مثله و الاستثناءات تثبت القاعدة و لا تنفيها. بل إن من هؤلاء النوابغ من لم يتزوجوا أصلاُ.

هي ظاهرة تستحق التأمل، لما لا ينجب العظماء نابغين رغم حملهم لجيناتهم الواعدة بالنجاح و لإقامتهم بنفس البيئة التي تسمح لهم فقط بجني ثمار عبقرية الآباء دونما قدرة على إنتاج مثيل لها؟ لما لا تشع مواهب أبناء العظماء؟ أتكون الطاقة الضوئية لأبائهم طامسة على الأبناء؟

أيخشى الأبناء من الوقوع فريسة المقارنة، فيختصرون الطريق و يزهدون في دخول حلبة السباق أو قد يكون صعب عليهم سلك الطرق الوعرة و البدء من صفر أسلافهم؟

أيكون انشغال الآباء بعبقرتيهم سبباً في عدم رعاية مواهب ذراريهم؟ فبحسب هتشمان: “اذا فشل أبناء العباقرة، فلا ننسى أن نرجسية آبائهم هي السبب” فمثلاً، لم يكن جاك روسو أباً جيداً، فقد أرسل أطفاله لدار الأيتام! كما اعترفت الأديبة دوريس ليسينغ أنها هجرت أبناءها صغاراً و قالت: “لطالما ظننت أن ما فعلته هو أمر في غاية الشجاعة. فلا شيء أكثر إملالا لامرأة مثقفة من قضاء وقتها بلا نهاية مع أطفال. فلقد شعرت أني لست أصلح لتربيتهم، و لو كنت قد استمريت، لانتهى بي الأمر كمدمنة للخمر و محبطة كأمي”

أينشغل الأبناء بحفظ تراث الأباء فيصرفون أعمارهم حفاظاً على خزائن تراثهم عوضاً عن البحث في كنوز موهبتهم الشخصية الحاضرة؟ فكم من ابن أهلك عمره في جمع تراث أبيه و توثيقه، حتى حقق له إشباعاً عن تذوق نجاحه الشخصي؟

أيكون للنبوغ ضريبة يدفعها الأبناء بحرمانهم من التفوق أو يدفعها النابغة نفسه بحرمانه من الإنجاب أو حتى الزواج؟

فاستقراء حياة الخالدين يجعلنا نرصد ظاهرة عدم إنجاب أو تأخر زواج الكثير منهم و القائمة تضم أسماء لا تنتهي من عباقرة لم يتزوجوا، كجبران، الشابي، بن تيمية، شوبنهاور، جين اوستن، بيتهوفن، نيوتن، موتسارت، ادم سميث، فولتير،إيميلي ديكنسون، نيتشة، كانط، ستيوارت ميل، الأفغاني، العقاد، النووي، الشنقيطي، الزمخشري، بن حجر العسقلاني، الامام الطبري، عبد الرحمن بدوي ، فريد الاطرش، فدوى طوقان، سيد قطب،عبد الحليم حافظ، مايكل انجلو، ابسون، ستندال، سارتر، اوبرا وينفرري، نيكولا تيسلا، شانيل، يوسف شاهين، و تطول القائمة و لا تنتهي.

فهؤلاء أمنوا بقدراتهم و لم يحتاجوا لشريك يكملهم بل أدركوا أن الزواج مشغلة ستعوقهم عن استكشاف نبوغهم كما سيقضي على اشعاع عبقريتهم و سيسرق من أوقات إبداعهم و سيحول دون تحقيق مجدهم أو عمل إضافة للبشرية، حتى أن كثيرين منهم لم يجدوا في عزوفهم عن الزواج تضحية.

و يبدوا أن غريزة حب العلم و سعيهم لتحقيق مجد خالد ألهاهم عن أي غرائز عاطفية أو جسدية، فأحد أسباب زواجنا هو شعورنا بالنقص وعدم الانجاز ما يجعلنا نحاول تعويض ما فقدناه لأبنائنا مستقبلاً.

أما من تزوج و لم ينجب فنذكر منهم المفكر جورج أورويل و برنارد شو و سعد زغلول، كوكب الشرق، جوته، شادية، جريتا جاربو،مارلبن مونرو، محمود درويش، أنيس منصور، و د فياض، أشهر أطباء النساء و التوليد في مصر، الذي قُدّر له معاونة الخلق على الإنجاب دون سماع صرخة حياة طفل يحمل اسمه، حتى حينما تزوج ناظم الغزالي بسليمة مراد و كليهما قمة بحد ذاته، لم ينجبا،و القائمة لا تنتهي لكن تلقي الضوء على ضريبة النبوغ، فلأن أعمالهم تخلد وجودهم على مدى التاريخ، فلربما يرى القدر أنهم ليسوا بحاجة لذرية تخلد أسمائهم لحقب بسيطة و قد تعوق سبل نجاحهم!

إن من أندر الظواهر أن تجد عبقرياً ينجب عبقرياُ أو نابغة يورث نبوغه، فشكسبير لم ينجب شكسبيراً مثله و ديكنز كذلك و موليير وراسين و كورناي و اديث بياف و شوقي و حافظ و جرير و الفرزدق و برتران راسل و نجيب محفظ و الطيب صالح لم يفرزوا بشراً بإمكاناتهم، فهناك غاندي واحد و موسوليني و مارتن لوثر واحد و إن انجبا من يحمل أسمائهم، إلا أنهم ما استطاعوا حملقدراتهم على بلوغ الآفاق.

فبإستثناء زياد الرحباني الذي ورث نبوغ والده، عمه و والدته، و اسكندر دوما الأب الذي أنجب اسكندر الابن، و عمر خيرت الذي ورث نبوغ عمه و جده، و جلال أمين الذي خلف والده المفكر أحمد أمين، و توماس هيكسلي عالم الاحياء جد جوليان هكسلي و الكاتب الدوس هيكسلي .. و لكن شتان بين عبقرية احسان عبد القدوس و ابنه محمد عبد القدوس.

و لم نسمع عن عبقرية لأبناء سوفوكليس، اسخيليوس، طه حسين، السياب، كنفاني، نازك الملائكة، جرير، الفرزدق، أبو الفراس، المتنبي، المعري، شوقي، السنهوري، د. مجدي يعقوب، يوسف ادريس، مصفى محمود و هيمنجواي .. و أسماء أخرى لا يمكن حصرها لعباقرة و إن أنجبوا، إلا أن ذرياتهم لم يحملوا جينات العبقرية مثلهم!

إن العامة غارقون في بحار متع الزواج و الإنجاب و مشاكله التي تهدر أعمارهم بينما العباقرة أيقاظ في حفظ و استغلال كل لحظة بحثاً عن الخلد.

————–

داليا الحديدي

كاتبة مصرية

المصدر: الجزيرة مباشر

(Visited 25 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …