الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / د. لانا مامكغ: أعشاب !

د. لانا مامكغ: أعشاب !

يشتعلُ الحنين إلى وسط عمّان بين الحين والآخر، فأخطّط للمشوار مع بعض الصّديقات، لنتجوّل بحثاً عن دفءٍ خاص لا نجده في أماكن أخرى…د. لانا مامكغ كنّا هناك مؤخرّاً نقف متأمّلاتٍ عند أحد محلات العطارة والأعشاب، وكان ثمّة خلطات كتب عليها أنّها شافية للنّقرص وأخرى للبُهاق، وحفنات منها لأمراض الكلى، وفي مقدّمتها ما يشير إلى أنها الحلّ الأمثل للبدانة… اقترب صاحب المحل بفضول لأسأله من باب الدّعابة عن عشبة للصّداع، فأشار إلى كومة في إحدى الزّوايا… هنا، بادرت صديقتي لسؤاله عن أخرى تشفي من الاكتئاب، وقبل أن يجيب سألته الأخرى عن عشبة تنفع للخلافات الزّوجية… فقال الرّجل فوراً: « طبعاً، أعطيني يومين وسأجّهز المطلوب، ولن تكوني إلا راضية ! «

ولستُ أذكر بالخير تجربتي ذات زمنٍ في صناعة نوعٍ من الحلوى، إذ قلّبتُ حبّة من جوز الطّيب وطحنتها فوجدت الكمية النّاتجة صغيرة، هنا، قرّرتُ إضافة حبّاتٍ أخرى إلى المكوّنات سعياً لنكهةٍ ألذ… ثم لأفاجأ أنّ كلّ من كان يتناول الحلوى لاحقاً؛ كان يُصاب بالخمول الشّديد والنّعاس وبأعراضٍ مزعجة دون أن تسعفَني خبرتي المتواضعة آنذاك أنّ سببَها جرعة زائدة ممّا أضفتُ أنا ببلاهةٍ شديدة !

ورغم التّطوّر المفترض في وعينا؛ ما زال بعضنا يتداول وصفاتٍ لأنواعٍ معينة من الأعشاب والمطيّبات والتّوابل تحت ذرائع أنها تشفي من الأمراض التي عرفتها البشرية منذ نشأة الكون… فثمّة معلومات مثيرة عن فوائد عجيبة للكركم والمليسة والحندقوق والقرفة والزّنجبيل… ذاك الذي شئتُ التّحري عنه لأجد أن غراماتٍ معدودةً منه يومياً هي التي تفيد، وإلا فالعاقبة وخيمة !
أذكر بالتّقدير والعرفان أ. د. أحمد الكوفحي الأكاديمي الدّولي المتخصّص في علم الأعشاب، الذي كنتُ أشرف باستضافته في أحد البرامج الصّباحية في التلفزيون الأردني، وخطاباته التّحذيرية العديدة حول خطورة التدّاوي بالأعشاب إن لم تُخضع لفحوصات وتجارب مخبرية وسريرية دقيقة، وإذا أثبتت فائدتها فيجدر تناولها بكمياتٍ محدودة موزونة بالغرامات مثل الأدوية المصنّعة تماماً، ومقولة إن لم تنفع لا تضرّ هي بعيدة عن المنهج العلمي الذي يُفترض أن يحكم سلوكياتنا الغذائية والاستشفائية في عصر المعلوماتية هذا !

ولعلّنا نتّفق على أنّ صاحب الحاجة أرعن، وغلاء الأدوية قد يدفعنا لأقصر الطّرق بحثاً عن الشّفاء، لكنّ الأمرَ لا يخلو من مخاطراتٍ ومغامراتٍ غير محسوبة قد تؤخّر الشّفاء إن لم تُفاقم من حالة المريض لا سمح الله.

والقول إنّ أجدادنا تعاملوا معها واستفادوا، صحيحٌ نسبياً في الأنواع الشّعبية المعروفة المحدودة منها، لكنّهم تعلّموا بالتّجريب الصّعب طويل المدى، ولسنا نعرف شيئاً عن الأثمان الباهظة التي دفعوها من صحّة بعضهم حتى نقلّدهم فنسيرَ على خطاهم دون تفكير.

وبعد، فقد يكون الحلّ عند المؤسسة العامّة للغذاء والدّواء بالتّعاون مع المراكز البحثية المرموقة في بلدنا لتوعية المستهلك بما سبق ذكره، أو أن يتأكّد هواة التّرويج للتّداوي بالأعشاب من الكميّات الآمنة للتناول قبل هذا الصّخب والوعود البرّاقة بالشّفاء، حتى لتسأل نفسك أحياناً: ما الجدوى إذن من كلّيات الطّب والصّيدلة ؟ حتى بتنا نخشى من أن يخرجَ علينا من يُطالب بإغلاقها !

د. لانا مامكغ
الرأي

(Visited 104 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …