الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / رمضان يبحث عن طقوسه التي لا يمكن ترجمتها إلى اللغة السويدية إطلاقا

رمضان يبحث عن طقوسه التي لا يمكن ترجمتها إلى اللغة السويدية إطلاقا

الكومبس – مقالات: يحلو لي هذا المساء أن أنقّب عن رمضان في طفولتي التي جعلت من طقوس هذا الشهر الفضيل عالما خاصا، له نكهة مميزة في شهر كامل تتغير فيه رتابة المألوف في حياتنا إلى حياة رمضانية لها طقوسها ، التي تجعل من رمضان ليس فقط مناسبة دينية لها معانيها الروحية السامية ،رمضان يبحث عن طقوسه التي لا يمكن ترجمتها إلى اللغة السويدية إطلاقا إنما أيضا كرنفال اجتماعي يحتضن هذه المناسبة الدينية ، ويضفي عليها بهجة الدنيا حين تتأخى مع زهد الدين في طقس رمضاني يجمع بين جوع الصائم وشهوات مائدة الإفطار في يوم واحد !

لا ادري بالضبط متى وعيت رمضان أول مرة في طفولتي ، وان كنت أحاول هذا المساء أن أتلمس رمضان الأول في حياتي بعد هذه السنوات الطويلة من رمضانات كثيرة في هذا العمر !
مثل كل اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الشتات ، لم يكن لدينا “رمضاننا الفلسطيني ” نحتفل به في بلادنا بطقوسنا الفلسطينية ، كان رمضان يزورنا كغرباء في بلاد الآخرين ويمنحنا طقوسهم الرمضانية بسخاء ، وفي مخيم العائدين في حمص رأيت رمضان الأول في حياتي بنكهته السورية التي كانت أقرب إلى ” باب حارة ” حقيقي قبل أن يصبح مسلسلا رمضانيا بألوان الديجتال في المحطات الفضائية العربية ، وكان جهاز الراديو هو الفضاء الوحيد الذي نرى به العالم “بأذنين “تصغيان إلى فضيلة المفتي وهو يؤكد ثبوت رؤية هلال رمضان ، ولا أدري لماذا كانت مدينة حماة السورية هي أول من ترى هلال رمضان ، ويشهد ثلاثة من أهلها على ذلك إمام المحكمة الشرعية ، ورغم بساطة الحياة في تلك الأيام إلا أن قدوم رمضان كان يحمل الفرح لحياة جديدة ، نعيشها لمدة شهر كامل ، يصبح بها جوعنا متعة ، ونحن نعد الساعات لسماع صوت مدفع الإفطار الذي كان ينطلق من فوق قلعة حمص ، ليمتزج مع آذان المساجد في حمص وصوت الآذان في الراديو من الجامع الأموي في دمشق ، ولا أنسى لحظات التعذيب التي كنا نمضيها ، ونحن نحدق في مائدة الإفطار ، ونحن نستمع إلى الشيخ عبد الباسط وهو يتلو قصار السور من القرآن الكريم بانتظار آذان المغرب ، ومع أول الله اكبر من آذان المغرب تكون العبارة الذهبية ” اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ” !
ولا يبقى من رزق الله على مائدة الإفطار من شوربة عدس وفتوش و كبة حمصية مشوية ، الا والتهمه جوعنا ، ونحن نستمع إلى مسلسل إذاعي سوري اسمه :” صابر وصابرية ” يحكي قصة زوجين شاميين ، ونضحك على مقالب صابر وصابرية، لم يكن وقتها التلفزيون قد دخل البيوت ، كان القليل من الأجهزة المحدودة في بعض المقاهي السورية تدفع مبلغا من المال لكي تتفرج على مقالب ” غوار ” دريد لحام و “حسني البورزان ” المرحوم نهاد قلعي في مسلسل صح النوم ، وبعض المقاهي كانت ما تزال متمسكة بالحكواتي الذي يروى قصص الزير سالم ، إلى أن تغلب التلفزيون على الحكواتي وحوله إلى عاطل عن العمل !
رمضان زمان كان بسيطا في حياتنا البسيطة المنزوعة التكنلوجيا ولكنه كان قادرا على منحنا الفرح الذي كلما كبرنا صار الفرح أصغر ! ونحن اليوم نعيش رمضان في المنافي الأوروبية حيث يزورنا رمضان في مجتمعات غريبة عنه وعن طقوسه ، نحاول أن نعيش رمضاننا الشخصي في بيوتنا الصغيرة الذي ينتهي إن فتحت الباب وخرجت إلى الشارع الذي تجد به رمضان لاجئا مسكينا في بلاد الآخرين ، يبحث عن طقوسه التي لا يمكن ترجمتها إلى اللغة السويدية إطلاقا !

بقلم الكاتب الصحفي خالد عيسى المقيم في مالمو منذ 26 سنة

يونيو 05, 2016

السويد اليوم

 

(Visited 2 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …