الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / ريم تكريتي تكتب: سوريا.. يا خسارة عقول البلد!

ريم تكريتي تكتب: سوريا.. يا خسارة عقول البلد!

أنا لم أفقد منزلي، لم أفقد أحد أفراد عائلتي، لم أتعرض للمعارك، ولم أطلب للجيش ولا للاحتياط. أنا شابة لم أشهد سقوط قذيفة هاون أمامي، كانت أذناي فقط هي ما يسمع صوت الحرب،سوريا.. يا خسارة عقول البلد وعيناي لم تر سوى الطائرات التي تحوم فوق الدخان القريب من دمشق كذئبٍ متفرس.

أملك منزلاً، وعملاً، وحياة مستقرة نوعاً ما، لكنني قررت الهجرة.. لأنني لم أجد مستقبلي.. ولم أجد من يراني..

بهذه البساطة، قد يكون هذا سبب الهجرة الرئيسي بالنسبة لآلاف الشباب الطامحين وليس الحرب بحد ذاتها.

لفتني أمس وخلال تصفحي لمواقع التواصل الاجتماعي، تعليق لصديق على صورة أحد الشباب السوريين الذين أبدعوا في الغربة، كتب على الصورة “يا خسارة البلد فيك” فكتب له صديقه “الحمد الله انو برا البلد”.

ربما لو كان هذا الشاب نفسه، ما يزال داخل حدود “الوطن” لبقي إبداعه محبوساً معه في جدران التهميش والإقصاء، ولربما بقيت قدراته مغيبة حتى عنه نفسه، إذا لم يكن قد نُسي مع غيره من المنسيين، وبقي غريباً وهو تحت سقف “الوطن”.

في كتاب الصف الرابع الابتدائي على ما أذكر، أعطونا درساً بمادة الاجتماعية بعنوان “هجرة العقول”، حالما قرأت عنوانه تداعت إلى مخيلتي صورة عقول وأدمغة تحمل حقائب وتهاجر.
وصف الدرس تلك الهجرة بأنها الأخطر على الإطلاق، الأكثر تأثيراً على الوطن ومستقبله، وكأنهم يريدون أن يقولوا لنا إن هاجرتم ستكونون سبباً في تخلف البلاد!

علمونا نتائج هجرة العقول، وآثارها، ولم يتطرقوا لأسبابها، وكأن العقول تجد بيئة مناسبة لتنمو ورغم ذلك تهرب!

تعرّف منظمة اليونسكو هجرة العقول بأنها “نوع شاذ من أنواع التبادل العلمي بين الدول يتسم بالتدفق في اتجاه واحد، ناحية الدول المتقدمة أو ما يعرف بالنقل العكسي للتكنولوجيا، لأن هجرة العقول هي فعلاً نقل مباشر لأحد أهم عناصر الإنتاج وهو العنصر البشري”.

ما الذي دفع بهذا الكم الهائل من العقول لتترك بلداً في أمس الحاجة لها وتهاجر؟
ما الذي جعل إبداع الشباب يقتل في وطنهم؟ ما الذي جعلهم يجدون طموحاتهم محاصرة من كل جانب؟
رغم أن جواب مثل تلك الأسئلة يحتاج لأبحاث حقيقة، لكن لا يخفى على أحد أن غياب الدور الحقيقي للبحث العلمي، وللجامعات في سوريا كان له أثر كبير بذلك.

انتشرت منذ فترة صورة تظهر مجموعة من مشاريع التخرج لطلاب كلية الهندسة في جامعة دمشق، وهي مرمية في بهو الكلية فوق بعضها البعض، ممزقة ومتسخة. حزنت لرؤية تلك الصورة كحزني لرؤية بيت مدمر أو شخص جريح، أو أي صورة من صور الحرب التي نعيشها.

ما ردة فعل الشاب الذي يجد مشروع تخرجه بعد أن تعب عليه ووضع كل جهده في سبيل بنائه، وهو مرمي بتلك الطريقة؟ كيف ستكون ردة فعل الشباب الذين سيطلب منهم مشروع فيما بعد؟ كيف سيكون شعور شاب طموح يحلم ببناء وطنه كما رسم في مخيلته مئة مرة، وهو يجد الجهود ترمى هكذا دون أن تحظى بأي اهتمام؟

الجواب بسيط، ومعاش، الشاب الأول سيحمل إبداعه وما تعلمه، وما أراد لوطنه أن يكون ويهاجر، باحثاً عن مكان يعطيه بعض التقدير، والثاني سيقوم بشراء مشروع تخرج جاهز من إحدى المكتبات المختصة ببيع مشاريع التخرج الجاهزة، لأنه لا يريد أن يبذل جهداً سيضيع كما ضاعت جهود غيره، وهكذا يقتل الابداع في الوطن وتُخسر العقول بذات الوقت!

ليست مشاريع تخرج كلية الهندسة، إلا مثالاً مصغراً عما تعيشه جامعاتنا اليوم، من ضعف وإهمال للطلاب والشباب.

كم من مشروع إبداعي عمل عليه شباب طامحون بذلوا قصارى جهدهم، فكان مصيره أن يرمى على الرفوف في مكان منسي من الجامعة. ثم ينسى كغيره من المشاريع!

كم من فكرة قتلت قبل ان ترى النور! وكم من طموح تحطم أمام الإهمال الذي لاقاه!

هل سمعت يوماً عن بحث علمي انتشر باسم جامعة دمشق، أو جامعة حلب، أو أية جامعة سورية أخرى؟ هل سمعت عن أبحاث أجريت في جامعاتنا فغيرت قانوناً ما أو آلية عمل ما؟

لا نكاد نجد بحثاً علمياً ناتجاً عن جامعة دمشق، رغم أن هناك ميزانية تُرصد له، علماً أنَّ قوة أية جامعة تأتى من قوتها في البحث العلمي بينما غيابه يحوِّل الجامعة إلى مدرسة هدفها تخريج طلاب يحملون شهادة باختصاص ما! هناك مشاريع وأبحاث تُجرى، لكنها تبقى مجهولة، مهمشة، مرمية فوق بعضها على رفوف في مكان مقصي في الجامعة.

ليس غريباً أن نرى دول الغرب تتفوق علينا علمياً وتقنياً وإبداعياً، وهي تخصص جزءاً من ميزانياتها للبحث العلمي.

ليس غريباً أن تكون “إسرائيل” الدولة الأولى عالمياً في الإنفاق على الأبحاث العلمية، بينما إنفاق الدول العربية مجتمعة لا يوازي ما تنفقه جامعة أميركية واحدة.

ميزانية البحث العلمي تبلغ في إسرائيل 2. 6% من الموازنة السنوية، وفي أميركا 3. 6%، والسويد 3. 8 %، سويسرا واليابان 2.7%.

بينما الإنفاق السنوي للدول العربية على البحث العلمي لا يتجاوز 0. 2% من إجمالي الموازنات العربية.

الغريب هو أن نمتلك عقولاً ونقوم بالتفريط فيها، ومن ثم نلومها لأنها تركت الوطن.

لم تكن الحرب فقط هي سبب هجرة الشباب من سوريا، بل البحث عمن يقدر عقولهم، وإبداعهم، وأفكارهم. البحث العلمي كان سبباً رئيسياً حتى قبل الحرب، ولأن دول الغرب عرفت أهمية البحث العلمي وأهمية تلك العقول، بذلت جهدها في استقبالها، وتنميتها.

ما إبداع السوريين الذي ظهر خلال الأعوام الماضية في بلاد الغربة، والذي حظي باهتمام إعلامي كبير إلا دليل على وجود إمكانيات ضخمة بحاجة لبيئة مناسبة لتنمو وتظهر. ولو أن هؤلاء الشباب أنفسهم بقوا في الوطن، لكانوا فعلا: “يا خسارة البلد فيهم”.

قد تكون البلد خسرتهم، لكنها كسبت عقولهم، ولو بعد حين..

هنا صوتك

(Visited 46 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …