الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / شعوب و ثقافات / سامي الخيمي: حكاية دمشقية

سامي الخيمي: حكاية دمشقية

من سنة و نص تقريباً كنت عم اركض لتحضيرات العرس المعتادة .. حجوزات و حفلة و موسيقى و اضاءة و معازيم و غيرو و غيراتو من هالقصص يلي ما بتخلص و كفيلة لتخلي أي عرسان يعصبوا و يطوش حجرون.

سعادة السفير الدكتور سامي الخيميمن بين القصص يلي كان علينا تحضيرها كان في الكروت يلي طبعاً أنا ما بقتنع فيون لأنو آخرتون عالزبالة .. المهم بعد ما اخترعنا شكل الكرت و الكتابة و خلصوا طباعة بقيت مرحلة وحدة هي مرحلة تخطيط اسماء المعازيم على الكرت.. و بوقتها جبت رقم خطاط ليقوم بهالمهمة.

دقيتلو للخطاط .. اسمو أبو عيسى .. بيجاوبني صوت وقور و رخيم .. فدغري استنتجت أنو عمو .. دلني على عنوان بيتو و اتفقت معو الساعة ١٠ الصبح ..

– بتمشي بالقيمرية لاخرتها .. بتلف عاليسار كأنك رايح على مكتب عنبر .. قبل مكتب عنبر في دخلة عاليمين فيها سبيل مي .. بيتي تالت باب بعد السبيل عاليسار.

ما احتاج يعيد العنوان مرة تانية .. الشام القديمة حافظها حارة حارة و نارنجة نارنجة.
كان يوم ربيعي بأذار .. سما صافية و شجر بلش يرجع يخضر .. الناس رجعت تلبس الوان فاتحة .. الخضرجي شال أغطية النايلون عن الخضرة و الفواكي .. محل الشالات بالقيمرية رجع فردهون عالواجهة .. و الحلاق عند حمام البكري عم ينشر مناشفو برا ..

الشام حلوة بيلبقلها الألوان و الفرح و الحياة .. هيك فكرت انا و عالطريق لعندو .. و نسيت الوقت ماحسيت اني تأخرت.
عديت باب تنين تلاتة .. باب بني عتيق كتير عليه جرس مكتوب عليه أبو عيسى .. عتيق لدرجة لسا عليه مدقتين .. الصغيرة للنسوان و الكبيرة للرجال .. هيك كانو أيام زمان ليعرفو إذا يلي عم يدق رجال ولا مَرا، ليعرفو مين يبعتوا يفتح .. استهوتني الفكرة و دقيت بالمسكة الكبيرة.

نطرت شوي .. سمعت صوت حدا جاية و عم يسعل .. فتح الباب رجال كبير بالعمر لأول وهلة حسيتو جدي .. شعر أبيض مسرح على جنب .. نظارة عضم بنية .. عيون عسلية غامقة فيها طيبة كتير .. ابتسملي و قلي تفضل يا ابني يا ميشيل.
فتت من دهليز قصير معتم بآخرتو ضاوية أرض الديار ..
– وين بتحب نقعد
– أكيد هون عمو غير إذا بتبرد..
– لا الطقس حلو اليوم.. بس لا تواخذني الديار مكركبة شوي بس أنا وحداني و ما اجت البنت يلي بترتب هالاسبوع.
– ولا يهمك عمو ..
– لح اعمل فنجان قهوة و ارجعلك ..

قعدت على كرسي وهو أخد صينية كانت على جنب البحرة فيها فنجانين قهوة .. واحد فاضي و واحد مليان .. استغربت بس ما عطيت الموضوع أهمية .. و صرت أتأمل البيت .. الدار ما كانت كبيرة ابداً .. بس بحرتها الصغيرة و الياسمينة على جنب و قطتين صغار عم يركضوا مع بعض كانوا كافيين ليرسموا نفس الضحكة لما فوت عبيت ستي .. ضحكة مو على وجي بس .. ضحكة على روحي.

رجع معو صينية صغيرة عليها الفنجانين و كاسة المي و عرق ياسمين.. و علبة برازق.
– هي البرازق العريس يلي قبلك من حمص جبلي ياها.
هيك خبرني وهو عم يناولني كاسة المي بإيد يمين عم ترجف.. استغربت كيف بدو يخطط فِيّا.. حسيت إني بعرفو من زمان مع أني أول مرة بشوفو.
– طمني عنك.. كيف التحضيرات لعرسك؟
– منيحة عمو .. انت طمني عنك؟

و عرفت عنو اشيا كتير .. ابو عيسى ختيار عمرو ٨٣ سنة كان يشتغل بدائرة التخطيط بالدولة يعني يرسم مخططات.. و دارس أدب عربي و خطوط عربية.. مرتو توفت من زمان.. عندو صبي متزوج بأميركا و بنت كمان متزوجة بالسويد.. بس طلع عالتقاعد ما كان يقديه الراتب و ما بدو ياخود من ولادو فصار يشتغل بتخطيط الكروت أو لما يجي أي شغل براني يشتغلو وبيعيش على قد ما بيطلع .. كل الحارة بيحبوا وبيحترموا.. متعلم يعمل اكل لحالو بحكم الوحدة .. بوقت فراغو بيروح عالنوفرة و مرات بيلعب طاولة مع رفيق واحد بقيان عايش من رفقاتو، ما بيسمع ولا بيشوف منيح، بصير بيعيطلو .. “جهار و يك”.. ما سمعت .. “ لك جهار و يك جهار و يك”..

اتفقت أنا وياه على كلشي وسلمتو الكروت و قائمة المعازيم و ودعتو.
و بمتل كل عرس بيضل بيطلع مفاجئات و قصص بتطلعو عن دينو للواحد مشان هيك كل تنين قبل العرس بيضوجوا و بيتخانقوا.. و بعد يومين صار في تغيير بالمعازيم .. دقيت لأبو عيسى و اتفقت معو على وقت ورجعت زرتو.

هالمرة كان برد .. ففوتني عالغرفة يلي بيشتغل فيها .. متل يلي فات على متحف أو مرسم .. ريحة حبر بكل مطرح.. أوراق ملفوفة و خرايط و كتب محطوطة عالطاولات .. ريش رسم و أقلام كتير ..
حط نضارتو و قعدني جنبو .. قبل ما اشرحلو شي اطلع فيني و قلي ..
– أنت اليوم مانك منيح .. مضغوط؟
– يمكن!
هو ما كمل حديث.. بلش يخطط عالكروت بإيدو اليسار .. كان فنان بكل معنى الكلمة .. بقلم اسود تخطيط عادي عم تطلع معو الأسماء متل اللوحة.. و هو عم يخطط من دون ما يحرك عينو حاكاني ..
– عمو.. اتطلع على ارض الديار.. جنب البحرة .. شو بتشوف.
– في كرسيين .. في فنجانين قهوة على حفة البحرة واحد فاضي و واحد مليان.. ليش ؟
– مرتي كانت كل يوم تعملي قهوة الصبح و تحطلي بالصينية عرق ياسمين و تكون طالعة فيروز عالراديو .. كانت تحب الياسمين لأنو بتحس الشام إذا كانت وردة فلح تكون ياسمينة .. هيك كانت تقول … كانت تحب الشام كتير .. و من وقت ما تجوزنا و هي بتقلي ايمتى هيك بدي فيق شي يوم لاقيك انت مساويلي القهوة و جاية و جايبلي ياها.. و نضحك .. مرتي ما كانت تطلب كتير .. اي شي كان بيخليها تضحك ..

سكت شوي عم يجمع كلماتو ..
– من ١٠ سنين فقت الصبح كانت هي قاعدة بأرض الديار .. قررت فاجئها و حققلها هالحلم و أعمل لأول مرة فنجان القهوة أنا.. فيروز كانت عم تغني “و تشرب من فنجانك و اشرب من عينيك”.. فتت عالمطبخ و عملت القهوة و رتبتها مع كاسة المي و عرق الياسمين متل ما بتحب .. و طلعت لعندا حطيت القهوة قدامها و قلتلها تفضلي .. هي صار متل ما بدك ..
إيدو صارت ترجف .. نزلت دمعة عالكرت و مح الحبر شوي .. و بصوت مخنوق قلي ..
– انا عملتلها القهوة بس هي ما شربتها .. كانت ميتة عالكرسي.
لقيت دموعي عم تنزل لحالها.. و هو كان صلب بصوتو الأجش هو و عم يقلي ..

– عمو ميشيل انتو عم تعيشوا احلى ايامكون.. حبها من قلبك.. ما تخلي قوة بالدنيا تاخدكون من بعض.
ورفع راسو شوي و اطلع بعيونو التعبانة من الحب و البكي و العمر و قلي ..
– ولا تنسى.. عملها فنجان قهوة.
انا بوقتها حسيت بخنقة .. حسيت لازم ابكي بس مو قدامو .. طلعت من عندو .. و أنا راجع عالبيت لقيت محمصة بأول باب توما .. ضحكت و قلت .. ما رح انطر لهي تطلب مني .. و جبت بن.

بآخر يوم نزلت لجيب الكروت .. كان أبو عيسى مجهزلي ياهون بكياس.. و عطاني بظرف لحالو كرتونة مستطيلة أكبر من ورقة ال A4 .. كان مخططلي بخط إيدو كرت عرسي عكبير و قلي هي ذكرى إلك مني .. أنت فتت لقلبي .. عزمتو على عرسي وودعتو و وعدتو بزيارة قريبة كتير ونلعب فيها طاولة كمان.

أبو عيسى اجى على عرسي.. و أنا طار عقلي.. مع انو هو كل العراس بينعزم عليها بحكم انو هو يلي مخطط الكروت .. بس انا كنت حس حالي خاص عندو .. بس الغاليين علينا منبكي قدامون .. كان بالهندام الكامل .. الرجل الدمشقي الثمانيني الأنيق العتيق .. حسيت حالي بس أكبر بحب كون متلو.

أبو عيسى كان يعتبر الشام القديمة بنتو مشان هيك ما كان يحس بالوحدة .. كان يخانق الولاد بس يكبو بالشارع .. و بس يشوف واحد عم يبزق عالأرض يزوْرو .. و يوم الجمعة بيفطر فول و تسئية و ما بيعرف يقدر الكمية.. فالجمعة كان يفرد صفرة ل ٦ اشخاص هنن ولادو واصهرتو و مرتو .. الانسان صعب يتقبل الوحدة .. و بالأزمة أبو عيسى صحلو يسافر برا البلد مستعمل الجملة التقليدية تبع هو متل السمكة و الشام هي المي يلي مافيو يطلع منا.

و مرقت الأيام و أنا متاخد بالجازة و ما بعد الجازة و عزايم و شغل و دور الحاجز و دور المازوت و دور الغاز و دور المي و دور منطقتنا بالقذايف و كلشي ادوار بتخطر عالبال .. و أبو عيسى دايماً ببالي و قول لازم روح زورو .. لازم بكل هالوحدة يلي هو فيها يجي مين يشرب معو فنجان قهوة لولا شي .. بس لأنو بيحبو ..

لإجا يوم فقت الصبح و قررت أنو اليوم زيارة أبو عيسى .. من نفسها محمصة باب توما أخدت البن .. و قطفت عرق ياسمين و أنا و عم اتمشى عبيتو .. وصلت و دقيت الباب هالمرة بالمسكة الصغيرة .. ما سمعني .. رجعت دقيت بالمسكة الكبيرة .. كمان ما سمعني .. دقيت و دقيت .. لانفتح باب البيت يلي جنبو .. و قلي مين بتريد .. قلتلو ابو عيسى ..
– أبو عيسى عطاك عمرو ..
– نعم!
– يومين ما طلع من بيتو كسرنا الباب و فتنا لقينا قاعد عالكرسي جنب البحرة .. و مقابيلو فنجانين قهوة .. مليانين ..

تركت البن و عرق الياسمين عباب بيتو و متل المجنون صرت اركض عالبيت.. رجعت نكشت بالوراق كلها بالبيت بدي اطمن انو كرتو موجود.. حسيت لازم يكون في شي منو يبقى معي .. لقيتو .. و كانت أول مرة بنتبه أنو عليه من ورا كاتبلي:

– لا تنسى .. عملها فنجان قهوة ..

سعادة السفير الدكتور سامي الخيمي
Ambassador Dr. Sami Khiyami

(Visited 34 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

«مصر بعيون نسائية أوروبية» ... حكايات الشرق الغامض

«مصر بعيون نسائية أوروبية» … حكايات الشرق الغامض

«إن ما يلفت النظر في المرأة المصرية حرصها على كرامتها وسلوكياتها وعلى حماية جسدها». ذلك …