الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / سامي الخيمي: عائشة (عايشة، عيشة)

سامي الخيمي: عائشة (عايشة، عيشة)

في حارتي ببيروت التقيتها، طفلة جميلة تبيع العلكة (المسكة). نظيفة الهندام، بهية الطلعة. شريطان من الحرير يحضنان شعرها المرتب. سعادة السفير الدكتور سامي الخيمي
قالت: أشتر مني يا حج، الله يخليلك ولادك.
ما اسمك؟ عايشة، بلكنة بيروتية.
كم عمرك؟ سبعة ( ٧ سنوات)
من أين أنتِ؟ من الدير (دير الزور) بتردد.
اشتريت منها حبتين، وكنت برفقة عائلة من الأصدقاء فوجدت نفسي أقول لها؛
هل أنت جائعة يا عايشة؟
أجابت بتعفف: لا، مع هزة رأس.
معليش، تعي كلي معنا. ودخلنا الى مطعم شعبي وعايشة بثوبها الريفي النبيذي، تخشى أن يبعدوها.
لاحظت أنها نظيفة فقلت لها:
هل حدا بيشغلك يا عايشة؟
لا، أنا بتبعتني أمي الصبح وبرجع بعد الظهر.
هل لك اخوة؟ نعم واحد في الدير عسكري والثاني يعمل في تركيا.
وأبوك؟ مات بالحرب من سنتين.
هل تتذكريه؟ نعم، كان يحبني كثيراً ويضعني دائماً على حضنه ويقول لي، أنتِ أحلى من الكل، أنتِ كتكوتة قلبي ! وأشاحت وجهها استحياءاً وصوتها يتهدج.
داعبت الدمعة عيني لكني لاحظت أن الدموع جافة في مآقي عايشة، فتمالكت نفسي.
هل تركتي المدرسة؟ أي، بس أمي قالتلي، اذا تحسنت حالتنا بْرَجعك عالمدرسة.
قلت لها وكأني خبير في البيع في الشوارع: لماذا يا بنتي لا تبيعي بالونات، الولاد بيحبوا البالونات وبتعملي مصاري.
قالت: بعت شوي بس أمي اشترت لي هالتوب (الثوب) بالمصاري وما عاد عندي لأشتري.
أخرجت بعض المال وقلت لها: اشتري بنتي عشرة أكياس بالونات وابدأي ولكن عديني بأن تشتري كمية اكبر من البالونات كل يوم ليزيد ربحك…أين تبيعين؟
في هذه الحارة وفي الحارة القريبة قليلاً.
هنا في هذه الحارة اسمك عايشة قلت لها كخبير، أما هناك فليكن اسمك زينب ! استغربت: لماذا؟
اسمعي مني، هنا عايشة وهناك زينب، وستكسبين مالاً أكثر.
قالت: عمو، انت كمان بتغير اسمك بكل حارة؟
قلت لها: كان أبي شايف مستقبل الفهم ببلادنا فسماني سامي، بيمشي وين ما كان.
ودعناها، ثم رأيتها بعد أسبوعين فبادرتني بالقول:
اليوم بعت عشر أكياس بالونات بحارة عايشة و١١ كيس بحارة زينب.
تغيرت أسماء الحارات !!
أصبحت عايشة تويجرة حقيقية وهي اليوم في رمضان تبيع حوالي خمسين كيس بالونات في اليوم. نصفهم في حارتي، حارة عايشة ونصفهم الآخر في حارة زينب. ولا أستبعد أن توسع أعمالها الى حارة ‘سونيا’ قريباً.
الطفلة البريئة فهمت أمراض مجتمعنا لكنها فهمت أيضا أن المال والرخاء والمستقبل.. لا مِلّة لهم.
حماك الله يا عايشة والهم جيلك سواء السبيل.

 

سبق ونشرت “الشاميات” هذه المادة بتاريخ 02 يوليو 2015

سعادة السفير الدكتور سامي الخيمي
Ambassador Dr. Sami Khiyami

(Visited 108 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …