الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / سامي الخيمي: مهيبة الخردجي ١٨٨٣-١٩٦٤ جدًّتي

سامي الخيمي: مهيبة الخردجي ١٨٨٣-١٩٦٤ جدًّتي

أكثر الناس يعيشون ويمضون دون أن يذكرهم أحد رغم أنهم يتركون في نفوس من عرفهم أطيب الأثر.سعادة السفير الدكتور سامي الخيمي
قد يكون من غير المألوف أن أكتب عن جدتي ولكني وجدت أن أكتب فيها كلمات لن يكتبها أحد، عن سيدة مغمورة قوية الشخصية من نساء دمشق.
كان والدها مؤذن السلطان عبد الحميد وأورثها صوتاً جميلاً بقي محصوراً في جنبات البيت. تزوجت جدي علي الخيمي باكراً في حياتها وأنجبت أربعة عشر ولداً وبنتاً لم ينجو منهم سوى والدي، فأصبح محور حياتها.
ختمت القرآن الكريم في آخر طفولتها وكان يكفي أن تذكر لها آية واحدة أو آيتين من أية سورة حتى تنطلق بالذكر الحكيم الى نهاية السورة. كانت تشجعني ‘بالسكر نبات’ والمكافآت على حفظ القرآن وأنا أدين لها بمعظم ثقافتي الدينية.
كان لجدي صديق اسمه خواجه ميشيل وكان يزوره مرة فقال له ‘أنا أعرف كم أنت حريص على تعليم ابنك الوحيد. اسمع مني علٍمه في الجامعة الاميركية في بيروت فهذه الدول التي تراها تحكم العالم اليوم، بريطانيا وفرنسا، لن تكون شيئاً بالمقارنة مع أميركا الدولة الفتية الصاعدة. كان الخواجة الموهوب يتحدث أيام الرئيس ويلسون صاحب المبادئ العشرين، وأمضت جدتي، التي لم تكن أبداً من نساء مسلسل ‘باب الحارة’ سواد الليل تقنع جدي بصواب النصيحة وهكذا كان.
مات جدي بعد تسجيل ولده المراهق في آخر صف في الHigh School وأصبحت مُهيبة زعيمة البيت دون منازع. لكنها كانت تذكٍر ابنها بدقائق ذكرياته مع والده حتى بقي في ذهنه رجلاً يفوق الرجال.
حادة الذكاء، كانت تستقبل مرة قريبة والدي التي أتت لتريها صورة أخيها المغترب الثري في البرازيل، وطلبت منها أن يكاتبه والدي لكي يساعدها مالياً. تأملت جدتي الصورة وقالت لها ، أخوك مفلس يا عزيزتي، انظري الى الطقم الذي يلبسه، بنطاله قصير عليه، واضح أنه استعاره من مكوجي لكي يتصور، اعتمدي على نفسك !
في ١٩٤٥، أحضر الانكليز المضادات الحيوية Antibiotics لتوزع مجاناً وكان والدي أحد طبيبين في البلد تم اختيارهما لضمان عدم بيع البنسلين فالمعالجة يومها كانت بالكينا والعقار الجديد أصبح ينقذ الأرواح. وخوفاً من أن تُسرق العيادة وضع أبي مخزون الأدوية في بيت العائلة في القيمرية وكانت جدتي تحمل كيس الأدوية وتأتي من القيمرية الى السنجقدار عبر سوق الحميدية لتحضر له الدواء كلما احتاج اليه. وفي ذلك الوقت قصف الفرنسيون دمشق ولعلع الرصاص في سوق الحميدية فروت لي جدتي كيف كانت تتلطى في ملايتها (تحولت الى الايشارب فيما بعد) تحت طلقات الرصاص لتصل الى العيادة. وكنت تردد بافتخار ‘لقد أنقذت حياة كثير من الناس’.
لم تنجح في تزويج أبي من دمشقية لكنها حاولت ونجحت أحياناً في إبعاد المتطفلات.
في مستشفى الجامعة الاميركية عام ١٩٣٦، وقع والدي كطبيب مقيم في حب ممرضة حسناء أجنبية واشترط عليها عند الزواج أن تقيم معه في دمشق فتمنعت، ثم اتفقا أن ترسل له رسالة في حال موافقتها وذلك خلال شهر من تاريخه. فكّرت الفتاة ثم قررت الموافقة وأرسلت له الرسالة. استلمت مهيبة خانم الرسالة في غياب ابنها فقادتها حشريتها الى أحد الخواجات ليترجمها لها من الانكليزية. صُعقت من فحوى الرسالة والخطر الافتراضي الذي يهدد وحيدَها، فأخذت الرسالة ودحشتها في أعلى خزانتها وصمتت.
عند وفاتها عام ١٩٦٤ فتحنا الخزانة العتيدة وفي رفها الأعلى وجدنا السكر نبات وبعض الوصايا بمبالغ من المال لأقربائهاً و.. الرسالة.
قرأ والدي الرسالة بعد ٢٨ عاماً من إرسالها فترحم على جدتي واستدار ومضى.
أديتي واجبكِ في الحياة مهيبة خانم، فلولاك ما كنا، ولولا أمثالك ما كانت دمشق أميرة المدائن.

 

سعادة السفير الدكتور سامي الخيمي
Ambassador Dr. Sami Khiyami

سبق ونشرت “الشاميات” هذه المادة بتاريخ 22 يوليو 2015

(Visited 30 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

سناء العاجي

سناء العاجي: “حرية العنف”

في نقاش بين شخصين، تأسف الأول على ثقافة العنف اللفظي التي انتشرت على المواقع الاجتماعية …