الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / سامي الخيمي: نظرية المؤامرة -١- اريك الألماني Eric the German

سامي الخيمي: نظرية المؤامرة -١- اريك الألماني Eric the German

Sami Khiyami

١٨/٧/٢٠١٥
اريك الألماني Eric the German
كنا في نهاية الستينات وبدايات السبعينات من القرن الماضي نمثل الطليعة التقدمية في الحركة الطلابية في الجامعة الأميركية في بيروت AUB.سعادة السفير الدكتور سامي الخيمي
وكنا نتعاون مع حركة فتح التي كانت في أوج قوتها عام ١٩٧٠ ونقوم بتظاهرات داخل وخارج حرم الجامعة لدعم الثورة الفلسطينية.
وكنا كذلك نستفيد أحيانا من مشاركة الطلاب الأميركيين والأوروبيين المؤيدين للقضية.
بين هؤلاء الطلاب الأجانب كان ‘اريك’ طالباًً قيادياً ألمانياً يشارك في جميع تحركاتنا.
في اجتماعاتنا الخاصة، كان زملاؤنا الفلسطينيون ينبهوننا من اريك وطالب آخر أميركي قائلين أن من الواجب الحذر منهم وعدم إطلاعهم على ما ننوي القيام به خشية أن يتسرب ذلك الى جهات مخابراتية. باختصار كانوا يتصورون أنهما يتجسسان علينا.
لذلك ورغم الصداقة معهم كنا نحرص على عدم وضعهم في صورة كثير من الأشياء التي نخطط لها.
بعد أن أنهيت دراستي، ذهبت الى ألمانيا وبدأت أدرس اللغة الألمانية قبل الالتحاق بشركة سيمنز. كان ذلك في بلدة وادعة في باڤاريا اسمها مورناو Murnau، وقد استطعت تكوين صداقات عديدة في البلدة وفي معهد غوته حيث درست.
يومها كانت ألمانيا تستعد لاستضافة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام ١٩٧٢، وتريد أن تثبت للعالم أن ألمانيا الجديدة لا تشبه إطلاقاً ألمانيا النازية التي نظمت ألعاب ١٩٣٦ وأنها أصبحت بلد الطمأنينة والسلام.
أثناء الألعاب هاجمت مجموعة فلسطينية مقر الفريق الاسرائيلي وقتلت اثنين من اللاعبين ثم أجبرت السلطات على نقلهم مع رهائنهم التسعة الى مطار ميونيخ حيث أُعدت طائرة صغيرة للهروب.
وقبل إقلاع الطائرة، صدرت الأوامر للشرطة الألمانية بالتدخل وأدى ذلك الى تبادل إطلاق نار ومقتل الاسرائيليين التسعة وخمسة من الفلسطينيين الثمانية، فيما اصطلح على تسميته مجزرة ميونيخ.
سببت هذه العملية صدمة كبيرة في ألمانيا وكادت تؤدي الى إلغاء الألعاب.
أما نحن في البلدة الصغيرة فعانيناً الأمرين لأن كل الألمان باتوا ينظرون إلينا نحن العرب الأربعة أو الخمسة الموجودين بعين الريبة والشك.
بقيت مترددًا يومين ثم قررت أنّ من واجبي الدفاع عن القضية الفلسطينية رغم استيائي من العملية التي أضرت بالقضية.
وشاءت الصدف أن يتواجد في معهد غوته يومها حوالي عشرين سنغالياً فأقنعتهم بالمشاركة مع عدد من أصدقائي في تظاهرة في البلدة تحت شعارات مثل: ‘نحن نرفض العملية لكننا نفهمهم’ و ‘قضية شعبهمم عادلة فلا تظلموه بسببهم’…الخ.
قررنا بعد التظاهرة البقاء متيقظين فسمعنا أن هناك تظاهرة أخرى يعد لها بعد أيام في بلدة كول القريبة.
ركبنا القطار وترجلنا في كول لنرى تظاهرتهم قادمة لملاقاتنا.
على رأس تظاهرتهم كان هنالك شخص بدأت ملامحه تتضح وهو يقترب منا…
إنه ‘اريك’
اريك الرجل الذي كنا نشك به في الجامعة ببيروت.
عاد الرجل الى بلدته في ألمانيا وعندما جرت العملية الفلسطينية، وجد نفسه مثلي راغباً في الدفاع عن القضية، لا عن العملية بطبيعة الحال. وهو اليوم يقود تظاهرة في بلدة صغيرة
بعيدة عن فلسطين لم يسمع بها أحد.
بعد السلام، اعترفت له بأني ظلمته لأنني مُشْبَعٌ مثل قومي بنظرية المؤامرة.
قال لي، كنا نشعر بارتيابكم لكننا كنا نتفهم خشيتكم وبقينا على العهد ندافع عن القضية التي نؤمن بها.
أنا لا أعلم شيئاً عنك اليوم يا اريك لكنك أول من علمني أن لا أقع أسير نظرية المؤامرة.
علمتني أن أتوقع أن يحبني الآخرون إذا آمنوا بقضيتي، لا أن أفترض سلفاً بأنهم يكرهونني وأنهم يحيكون ضدي المؤامرات.
علمتني أن أثق بنفسي وبما أمثل …
رغم أنني اليوم لم أعد أعرف تماماً ما أمثل.
إني يا اريك بحاجة إلى قضية
قضية صياغة وطن يرضي جميع من فيه
ويغدو زهرة الأوطان
وطن اسمه سورية.

 

سعادة السفير الدكتور سامي الخيمي
Ambassador Dr. Sami Khiyami

سبق ونشرت “الشاميات” هذه المادة بتاريخ 29 يوليو 2015

(Visited 29 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …