سهرة في بوز الجدي

درجت العادة أثناء فترة التحضير للامتحات الجامعية، أن نقوم أحياناً بعد انتهائنا من الدرس، بالعشاء في بوز الجدي وتحديداً في الصالحية ركن الدين حيث فرعه الرئيسي 🙂Omar Ayoub - عمر أيوب
كنا نركن السيارة في نهاية الطريق الاسفلتي لنمشي مئتي متر في طريق ضيقة بين بيوت في رأس الجبل، نشتري خبز التنور من فرن قريب، ونجلس على طاولة معدنية سطحها من صفيح يخلو من أي غطاء، نطلب من المعلم أن يحضر لنا صحون الفول التي تتقاطر على الطاولة .. تصطحب معها سحابات من الأبخرة وتفوح منها رائحة شهية ، وسرعان ما تغرف أصابعنا في الصحون بلقم كبيرة وتنشغل أفواهنا في مضغ الفول والمخلل والبصل الفحل الكبير الأبيض ، أما عروق النعناع فكنا نتحلى بها لقناعتنا بأنها تقضي على رائحة البصل.

كنا نمضي وقتاً نترقبه بشغف، نلتهم طعامنا على جوع ثم نعود أدراجنا إلى البيت لننام متخمين مخدرين حتى صباح اليوم التالي، كانت معدتنا قادرة على طحن الزلط وهو أمر نفتقده اليوم للأسف 🙂

ذات يوم وفيما كنا نقف مجموعة من الأصدقاء والصديقات في حديقة الجامعة على شكل حلقة، قلت لصديقي هامساً .. دور مين اليوم يمر بالسيارة .. اليوم بدها بوز الجدي ..
فالتفتت علي صديقتنا ندى وقالت بالفم المليان :
يا كلاب بتروحو على بوز الجدي من دوني .. وين الشهامة وين الأخلاق وين المروءة .. وين الصداقة .. وعبثاً شرحت لها بأنه مكان شعبي لا تتواجد فيه الفتيات عادة، فباستثناء فتاة أجنبية صدفناها في يوم بعيد لم أشهد أخرى في هذا المكان الذكوري الظريف ..
لكنها أصرت أن تكون معنا في ذاك اليوم، وقالت مشترطة :
ما تقعدو تزمروا بالسيارة وتجرصوني بالحارة يا نور، علمولي بالتلفون قبل ما تجو، وأنا بنطركن على شباك الصالون.
وهذا ما كان 🙂

في مطعم بوز الجدي جلسنا نحمل خبز التنور الذي زاد عدداً بعد أن طلبت صديقتنا رغيفين إضافيين قرمشت أحدهما وتركت الآخر للوجبة الرئيسية 🙂
قدم المعلم صحن المخلل لكنه خلا من بصلة كبيرة درج على تقديمها عادة .. فصرخت به صديقتنا ..
ياااا معلم وين راس البصل؟
ويظهر أن المعلم قد فضل عدم أكل البصل أمام صبية حسناء قلما تدخل محله، كنوع من الاتيكيت 🙂 لكنه طرب بندائها له بالمعلم .. فهرع إلينا يحمل ثلاث رؤوس من البصل فتناولت منه الرأس الأكبر.. وضعتها على سطح صفيح الطاولة وضربتها بقبضتها ضربة يعجز عنها أبطال الجودو والتكوندو، فأصدرت ضجيجاً عالياً ترافق مع قفز محتويات صحن الفول والمخلل إلى أعلى في حركة بهلوانية لا نصادفها إلا بالسيرك واستقرت كل هذه المحتويات فوق قمصاننا النظيفة والمنشاة … بالتساوي والعدل 🙂 أما هي فلم تنالها قطرة زيت واحدة .. بعد أن قفزت إلى الخلف برشاقة تحسد عليها متداركة الاصابة بينما كنا مشغولين بتأملها وهي تؤدي حركة مباغتة غير معهودة.

كانت تلك المرة الوحيدة التي تخرج برفقتنا إلى بوز الجدي، أما نحن الشباب الأربعة فقد استغنينا عن قمصاننا بعدما عجزت جميع محلات التنظيف في إعادتها إلى رونقها وسابق عهدها.
أما ندى فبقيت تطلق علينا لقباً مشرفاً .. شلة النور

صفحة السيد عمر أيوب على الفيسبوك

(Visited 14 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

غادة عبد العال ghada abdel aal

غادة عبد العال: “مجرد تجربة”

ينشغل العالم هذه الأيام بفضيحة مدوية بؤرتها هي الدولة الزرقاء التي تحتل المركز الأول في …