الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / عفراء جلبي : الحرب وابتسامة الكون الطويلة

عفراء جلبي : الحرب وابتسامة الكون الطويلة

عندما ندقق في أحاديثنا العامة، نجد أننا في أغلبيتنا نصنع سجونا صغيرة من خلال اللغة، تكاد تكون زنزانات نقيد فيها المكان والزمان.عفراء جلبي : الحرب وابتسامة الكون الطويلة

أغلبية الناس تتوقف حدود نظرتهم للجنس البشري في أفق ثقافتهم المحلية في زمن يرون فيه التاريخ من عدسات حياتهم الشخصية. ولذا تسمع كثيرا عبارات مثل: “أنا بحياتي ما سمعت!” أو “طوووول حياتي هكذا عشت!” والجميل عندما نجد أطفالا صغارا يكررون عبارات الكبار. فحتى طفل في الثالثة سيقول لك إنه طوال حياته لم يزعله أحد بهذه الدرجة!
من أكثر الأمور تعمقا في ذهن الجنس البشري قضية الحرب والعنف، فمعظم الناس يؤمنون بأن الحرب كانت دائما وأنها قائمة إلى الأبد—لأنه طول “حياتهم” شاهدوا حروبا ونزاعات. وفي واقع الأمر إن الحرب والعنف المنظم هي جزء من التراث البشري لأكثر من ستة آلاف عام، وهي فترة أطول من حياة أي شخص وتمثل فترة “الحضارة” في تاريخ الإنسان، أي الفترة التي استأنس فيها الإنسان الحيوان واكتشف الزراعة واستقر في قرى ومدن بشكل دائم بدل حالة التنقل والجمع والالتقاط في الطبيعة، وأسس الدولة والجيوش. ورغم فوائد “الاستقرار” والقدرة على إنتاج الغذاء بعد أن كان الإنسان يجمعه من الطبيعة بالالتقاط أو الصيد، فإن دخول هذا الاستقرار المدني أدخل الإنسان في متاهات جديدة، والتي تجلت فيها قيم جديدة من الهيمنة والرغبة في السيطرة والتملك للأرض والإنتاج وظهور الفقر. وهنا ظهرت الحرب. وهي مؤسسة تنظم العنف وتحوله لمؤسسة قتل جماعي وإجرام منظم لاكتساب مصالح معينة ما كانت موجودة سابقا قبل فترة الحضارة في المجتمعات البسيطة، ورغم أنه أخذ أشكالا مختلفة.

لكن العصر التكنولوجي الذي نعيش فيه حاليا والذي لسخرية القدر يمثل عصر “العقلانية” و”المؤسساتية”، أظهر عبثية الحرب وطبيعتها العشوائية الجنونية بعد أن صارت لدينا أدوات تكنولوجية قادرة على الدمار الشامل للإنسان والحيوان والنبات، بل وإهلاك مقومات الحياة إن نظرنا لعواقب الأسلحة الكيماوية والنووية والذرية.

سيقول لك الجميع: “هذا كان طوال حياة البشر!” ومعهم حق نسبيا. لأن تاريخ الحضارة هو تاريخ حرب وقتل. ولكن ليس تاريخ الجنس البشري الذي له قدم أكثر من بدايات الحضارة حتى أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ولم تكن له ذاكرة الكتابة وتدوين خبراته الجماعية. وكما أن أطول أعمار البشر هي مثل وهج ضوء صغير في عمر الحضارات التي تعيش مئآت وآلاف السنين، فإن عمر الحضارة الإنسانية أيضا فصل صغير في مجلدات ضخمة من عمر الكون المديد. فعمر الكون بعد الانفجار العظيم حسب دراسات الفلك الجديدة هي 13.8 مليار سنة. وعمر الحياة هي 4.6 مليار من السنين. والأجناس البشرية ظهرت قبل أكثر من ثلاثة ملايين من السنين، وتنوعت ومنها ظهر الإنسان بشكله الحالي قبل 250 الف سنة، وانقرضت “البشريات” كلها بما فيهم بشر “النياندرتال” قبل أكثر من 30 الف سنة. ولكن دعونا لا ننسى أن هذا الكوكب قبل أن تظهر فيها الأجناس البشرية كانت تحوم فيه كائنات ضخمة جبارة مثل الديناصورات وانقرضت قبل أكثر من 65 مليون سنة، ونجد عظامها بل أحيانا هياكل كاملة لها لما نسير في الأرض وننظر ونراقب، فـ”تحدث الأرض بأخبارها.”

وربما من أعظم مكامن التفرد عند الجنس البشري هو قدرتنا اللغوية. وهذا يعني التشارك مع بني جنسنا في التجارب والتعلم من بعضنا. ومع اختراع الكتابة صرنا قادرين على أن نحفظ هذه التجارب لتتراكم معرفتنا ونصير قادرين على أن نمد نظرتنا لأبعد من ثقافاتنا، ولأبعد من حيواتنا المحدودة. فطفلة تولد في هذا العصر ليس عليها أن تبدأ من الصفر وتعيد تجاربنا أجدادنا من البشر، بل تتلقى من الخبرات والعلوم ما أخذ أكثر من عشرة ألاف سنة من البشر بينما لم تبلغ السابعة من عمرها. تخيل الطفل الذي يقرأ هذه الأيام أو يجلس على الكمبيوتر، كم من القرون اختزل في سنواته الغضة!

ومع تسارع العصر التكنولوجي المعلوماتي أيضا فإن معظم ما وصلت إليه تجارب الجنس البشري تحت اصابع أيدينا الآن.

ولذلك فإن فهم هذه الرحلة الفريدة للجنس البشري هي ربما حاليا من أعظم العبادات، ومن أجمل ما يمكن التفكر به وتدبره. بل يعطي بعدا جديدا لأي عبادة نقوم بها. إن عظمة الكون المحيط بنا، وكيف تكونت المجرات والكواكب من غازيّ الهيليون والهيدوجين لمليارات من السنين في عمليات طويلة تكونت فيها عمليات معقدة من تكون المادة وظهور الحياة وتدفق الوعي، يجعل قلوبنا تهفو لخالق أعظم وأكبر من كل أوهامنا الصغيرة وثقافاتنا المحلية. هذه الرحلة الطويلة من الحياة والوعي، والذي تتوج بالجهاز العصبي الإنساني القادر على حفظ الذاكرة والابداع والتفكر، كل هذه تحثنا على أن نفكر ونتأمل أن خلق الكون المديد ليس عبثا. هذا ما يفعله العلم. لأنه يجعلك تتسلق شجرة عالية في غابة الخلق لتشهد خلق البشرية في رحلة طويلة عظيمة. ولترى فيها قصة الإنسان من زواية جديدة ولتحدق في أفق بعيد كنت لا تفكر فيه نهائيا وبإمكانات هائلة جديدة لتوجهات جديدة.

ألا ترون معي إذن أن هذا الكون لم يبدأ من 13.8 مليار من السنين بهذه الرحلة الشاسعة لنصل إلى هنا لنشد شعر بعضنا وندمر بعضنا ونستغل بعضنا؟ من الواضح أن هناك خطة أكبر بكثير. وكلما تدبرنا أين نحن كلما ازددنا تواضعا وكلما أسلمنا لوعي أكبر من وعينا الضيق والصغير. وربما توقفنا عن استعمال عبارات “في حياتي كلها” لنثبت وجهة نظرنا المحدودة. فسبحان الله عما يصفون!

نقلاً عن هنا صوتك
سبق ونشرت “الشاميات” هذه المادة بتاريخ 28 أبريل 2015

 

(Visited 12 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …