الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / غادة عبد العال: “بابا”

غادة عبد العال: “بابا”

“وراء كل رجل عظيم امرأة، ووراء كل بنت أو امرأة حققت أي حاجة في حياتها رجل.. هو في الغالب أبوها”.غادة عبد العال ghada abdel aal

يظن المتابعون لأي أنثى بتكتب معترضة على ظاهرة التحرش، إنها بتعاني من التحرش كل دقيقة. لو بتكتب عن نظرة المجتمع للمطلقات، فهي بالتأكيد مطلقة أو ابنة مطلقة أو أخت مطلقة. لو بتكتب اعتراضا على النعرة الذكورية في المجتمع، فهي بالتأكيد عندها مشاكل مع أبوها.

أنا باكتب بشكل مستمر معترضة على السيطرة الذكورية الغاشمة على أجواء مجتمعاتنا الموبوءة بالتمييز ضد المرأة، لكن عمر ما كان عندي مشاكل مع أبويا، اللهم إلا إننا كنا دايما مش فاهمين بعض!

بابا اللي عمرنا ما قعدنا مع بعض واتكلمنا كلام من القلب، وعمرنا ما صارحنا بعض بشعورنا ناحية بعضنا البعض، عمره ما قاللي إنه بيحبني، ولحد قبل النهاية ما قلتهاش أنا كمان. كان فيه دايما بيننا خلاف، يجوز إن كان سببه هو الفجوة بين الأجيال. والفجوة دي كانت بتتسع كل ما أعمارنا بتزيد.

لكن كمان، كل ما عمرنا زاد، كل ما كنت باكتشف إن أسباب الفجوة اللي بيني وبين بابا كانت بسبب محترم..

بابا اللي كان ابن عامل بسيط لكنه تفوق ودخل كلية هندسة، صمم إنه يسند كل إخواته لحد ما الكل يتخرج من كليات محترمة، فساهم في إنهم يتخرجوا ٣ دكاترة واتنين مدرسين، ظل أبويا هذا الإنسان المتفاني اللي بيخدم اللي حواليه حتى لو ما ظهرش في الصورة بشكل واضح وصريح. وعدم الوضوح ده كان من أهم أسباب إني –للأسف- في أوقات كتير ما كنتش مقدرة للي بيعمله.

وأنا باكبر، كانت أفعال بابا ليها فضل كبير عليا وعلى نشأتي، على الرغم من إني ما أخدتش بالي منها غير متأخر قوي! أبويا هو اللي كان كل ما يلاقي في طريقه قصة أو مجلة أو كتاب يتهيأ له إني هاحبه كان يجيبهولي. وإحنا صغيرين، كانوا بتوع الجرايد بينادوه في الشارع بحماس عشان يقولوله إن مجلة أو قصة خلاص وصلت، من كتر ما كان بيسأل عليهم عشان يجيبهم لي أول ما يصدروا. كنت فاكرة إن هوده الطبيعي وكل أصحابي كده!

لما جاتلي فرصة أدرس سيناريو في القاهرة، وكانت أول مرة أنزل فيها للمدينة المخيفة دي، كان بيسافر معايا عشان يعرفني الطريق، وكان بيستناني لما أخلص الكورس اللي مدته ٣ ساعات، واللي ما كانش فاهم هو ممكن يفيدني بإيه، ولا كنت أنا حتى أعرف وقتها، بس المهم بالنسبة له إني كنت بانبسط. برضه ما أدركتش إنه بيعمل حاجة مش هيعملها آباء كتير، عشان كنت متخيلة إن كل الآباء كده!

بابا اللي كان بيهون عليا مغامراتي الفاشلة مع جواز الصالونات. واللي لما مرة زهقت وقلت له أنا حاسة من كتر التجارب الفاشلة دي إن أنا اللي فيا مشكلة، قاللي: “مشكلة إيه؟ أنا لو عليا أصلا أقعدك من غير جواز، مافيش أي بأف في البلد دي يستحقك إنتي ضفرك برقبتهم كلهم”!

أدركت بعد سنين كتير دور بابا المهم في حياتي، رغم إنه دايما كان واقف ورا الستارة، بس هو دايما اللي كان بيفتحلي الطريق عشان أقف تحت نور الشمس. هو دايما اللي كان بيبصلي وأنا مش واخدة بالي بعيون ماليها الفخر. ويمكن ما حستش وأنا صغيرة إنه عمل لي جناحات أطير بيها، في وقت كانوا بقية الآباء متخصصين في تقصيص جناحات البنات حواليا!

بابا، اللي وفاته حصلت وأنا بعيدة عنه، كسرتني .. مش بس لأني مالحقتش أودعه، لكن كمان عشان ما عرفتش أعبرله أبدا في حياته عن قد إيه أنا مقدراه ومقدرة دوره في حياتي، ويمكن عشان كده بافتكره كل ما تمر ذكراه اللي بتمر الأسبوع ده بالدعاء والشكر لأني كان لا يمكن أكون الإنسانة اللي أنا هي دلوقتي، من غير ما يبقى هو بالذات بابا ومش أي حد تاني غيره، وباقوله إني أخيرا فهمت قد إيه هو كان أب مميز، وإن مش كل الآباء كانوا كده!

غادة عبد العال
05/12/2017
مونت كارلو الدولية

(Visited 7 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

قهوة عربية في إسطنبول

كان اهتمامي بالآثار العثمانية مدخلاً لاهتمامي بالحياة التركية المعاصرة، ولما لم أكن أعرف اللغة التركية، …