الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / غادة عبد العال: “زعماء وملائكة”

غادة عبد العال: “زعماء وملائكة”

الزعيم الأب، حامي الأمة، قاهر الصهاينة والأمريكان، خليفة الناصر صلاح الدين، الذي لا يأتيه الباطل ولا الخطأ من قبل أو من بعد، تنبأ الكل له بالعظمة منذ الصغر، وقد كان عظيما وسيبقى دائما عظيما!!غادة عبد العال ghada abdel aal

باختصار هذا الوصف تستعمله كل شعوب منطقتنا العربية، وبتستخدم شبهه معظم دول الشرق الأوسط بالإضافة لبعض الدول الناجحة الحرة العاقلة ككوريا الشمالية أو أوزباكستان لوصف رؤسائها!

فقد منّ الله علينا جميعا بالزعماء اللي نستحقهم، واللي آثار مآثرهم العظيمة -أحياء كانوا أم أموات- باينه بوضوح على مستويات بلادنا العلمية والاقتصادية، وباينة على وش كل واحد فينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
زعماؤنا يحملون الصفات الملائكية، ما بيغلطوش، كل خطأ بيرتكبوه إنما هو سببه تصرف شعبي خاطيء! كل مشروع فاشل بيعملوه بيفشل عشان شعبهم كسلان! كل حادثة أو حرب فاشلة بتحصل في وقت توليهم للحكم هي نتيجة لما اقترفه شعبهم من فساد، هو يعني الزعيم هو اللي كان بيسوق القطر والا يكونش هو اللي ماسك بندقية كل عسكري ع الحدود؟! لا يخطئ زعماءنا أبدا، ويخرب بيتنا احنا يا شيخ!

الأسبوع الماضي مثلا مرت زوبعة نقاشية كبيرة بين عمرو موسى السياسي المصري السابق وحفنة من الكتاب الناصريين بسبب آراء أوردها الأول في كتاب صدر حديثا ليه في سياسات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فانقلبت الدنيا وتراشق الجانبين بالتهم والإهانات، وكانت مناسبة سانحة لفرش الملاية ونشر غسيل الفريقين المتسخ أمام الجميع، وبعيدا عن إن عمرو موسى كان جزء من نظام سياسي هو كمان عليه مآخذ كتير، لكن يظل السؤال، كل هذه الهستيريا الموجهة ناحية تأليه زعيم سابق وتقديمه في صورة المعصوم عن أي خطأ، رغم إن كل الأخطاء اللي حصلت في عصره تفاقمت وتعملقت لحد ما فرقعت في وشوشنا كلنا حاليا، ده كله في مصلحة مين؟!

بل خلينا نعلى بالسؤال في محيط تاني ونسأل، وما السبب في كون مجتمعاتنا مؤمنة إيمان تام بنظرية الأبيض والإسود، وإن الإنسان، أي إنسان يا إما أن يكون شرا مطلقا أو خيرا صافيا، أو ناجحا نجاحا ساحقا أو فاشلا فشلا ذريعا، ليه بتمتلئ صفحات جرائدنا ومواقعها الإلكترونية بل ومواقع التواصل الاجتماعي بحملات شعبية لتأليه مش بس زعماء سياسيين لكن لاعبي كرة وفنانين وشخصيات عامة؟

بل إننا مش بنعمل كده بس مع الشخصيات العامة لكن كمان مع بعض، مما جعلنا شعوبا كاملة تدمن ممارسة الأخطاء في السر، وينخرملها عين ولا إن أي فرد فيها يعترف بخطأ له على الملأ حتى لو كان اعترافه ده هيترتب عليه تصليح الخطأ ده أو الحد من آثاره، بقينا نفضل إننا نسكت ونسيب الخطأ يمر ونحافظ على صورتنا الملائكية في عيون بعض بدل ما نفضح نفسنا جوه مجتمع لا يرحم!

من المفارقة اللطيفة إني كنت في نفس هذا الأسبوع اللي أثار فيه نشر كتاب “عمرو موسى” كل هذا اللغط باقرأ كتاب تاني بقلم كاتب إسرائيلي بعد ترجمته للعربية.

كان الكتاب بيعالج في جزء منه فترة حرب أكتوبر، وتفاجأت بكم الموضوعية اللي تعامل بيه الكاتب مع الأحداث، ما شوفتوش وصف جولدا مائير بأم اليهود، أو موشيه دايان بصقر تل أبيب، بل كان الكتاب يناقش السياسات دون شخصنة، والإنجازات دون تطبيل، والإخفاقات دون شرشحة وفرش الملاية للمخطئين، وفتح كشف حساب ليأخذ كل صاحب حق أو خطأ حقه من النقد والتحليل.

فوجدتني دون أن أشعر أقارن بين أسلوب الكتاب والتقرير الصحفي اللي كان بيصف أحد الرؤساء العرب بإنه ولد ساجدا وزاره الرسول في المنام، وتنبأ له الجميع بالعظمة وبأن يكون خليفة صلاح الدين، فلقيتني باقول بيني وبين نفسي:”عقبالنا يا رب لما نتخلص إحنا كمان من كل هذا القدر من الأفورة”!

 

غادة عبد العال
مونت كارلو الدولية

(Visited 19 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …