الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / فاطمة ناعوت : هل تذكرون لوزة وتختخ؟

فاطمة ناعوت : هل تذكرون لوزة وتختخ؟

[جلست “لوزة” وحيدة في حديقة منزلها. وكان شقيقها “عاطف” قد ذهب في رحلة بالدراجة مع بقية الأصدقاء: “تختخ”و”محب” و”نوسة” على الكورنيش. أما هي فبقيت في الحديقة تنتظر حضور صديقتها “سحر” التي حدثتها بالتليفون وقالت إنها تريدها لأمر هام.فاطمة ناعوت
كانت حديقة منزلها هي المكان الذي يجتمع فيه المغامرون دائمًا. فقد كانت حديقة واسعة، ترتفع أشجارها، وتلتف أغصانُها، وتتكاثر بين أعشابها الخضراء الزهورُ الحمراء والصفراء والزرقاء، فتُحيلها إلى شبه بساط جميل من صنع الخالق العظيم. ]


هل تذكرون أصدقاءنا الخمسة الصغار الذي عشنا معهم أجمل أيام طفولتنا؟ “لوزة” الشقية ذات الضفيرتين القصيرتين الطائرتين، التي كانت تلثغ وهي تنطق كلمة “لغز”، “نوسة” الهادئة المثقفة التي تحب القراءة، “عاطف” الولد “الروش” خفيف الظلّ، “محب” الرصين، ثم أخيرًا “تختخ” زعيم هذه “العصابة” الصغيرة الطيبة التي أوقعت بالحيلة والذكاء، أعتى عصابات الأشرار من اللصوص والسفاحين. ثم الشاويش “فرقع” رجل البوليس التقليديّ المغلوب على أمره، والمفتش “سامي” الضابط المستنير الذي يفكّر خارج الصندوق، وكوب الليمون المثلج على مائدة حديقة ڤ-;-يلا الصغار بالمعادي؟! وطبعًا الكلب الأسود “زنجر” الذي ساعد المغامرين للإيقاع بالأشرار.
أعلم أن أبناء جيلي، قد كبروا مع أولئك الأطفال. وأنهم، مثلي، قد تمنوا أن يشاركوهم مغامرةً من مغامراتهم. وأنا طفلة، كنت أصدّق كل ما أقرأ. فصدقتُ أن أولئك الخمسة موجودون بالفعل وليسوا أبطالا وهميين لقصص من الخيال. وكنتُ كلما ذهبتُ لخالتي التي تقطن شارع 9 بالمعادي، آخذُ دراجتي الصغيرة وأجوب الشارع جيئة ورواحًا عساي أبصر لوزة تركض من هنا، أو تصطدم دراجتي بدراجة تختخ، أو يصرخ فيّ الشاويش عليّ: “فرقعي من أمامي!” أتوقف أمام كل ڤ-;-يلا من ڤ-;-يلات الشارع أسترق السمع وأتلصص من بين قضبان الأسوار وأغصان الشجر، علّني ألمحُ أحدَ المغامرين لأعلن انضمامي إلى “شلّتهم” لأغامر معهم بعبقريتي الفائقة في تحليل الأمور وفضّ الأسرار والألغاز لأصل معهم إلى المجرم الحقيقي ونقدمه معًا للعدالة ونُعيد المسروقات إلى أصحابها. ظللتُ شهورًا وأعوامًا أبحث عنهم، حتى نضج وعيي، للأسف، لأكبر وأكفّ عن مطاردتهم بدراجتي، وأكتفي بلقائهم على الورق.
حين شاهدتُ لأول مرة الأستاذ “محمود سالم” مؤلف ألغاز المغامرين الخمسة، لم أصدق، أو بالأحرى لم أُرِد أن أصدق، أنه موجود. لأن وجوده يهدم أسطورة وجود أبطال قصصه. كنتُ أُفضّلُ وجودهم، على وجوده. لأنهم أصدقاء طفولتي بينما هو روائي عبقري أقنعني بأن هناك أطفالا خمسة يقومون بأفضل خطط المباحث النظيفة دون عنف ولا دماء. ماذا يعنيني، كطفلة، بكاتب أحببتُ أبطال كتبه؟! كان لقائي الأول به عام 2003 في بيت الناقد الكبير “رجاء النقاش”، وكان اللقاء على شرف الروائي السوداني الكبير “الطيب صالح”، عليهم جميعًا رحمةُ الله بقدر ما أمتعونا بما كتبوا. يومها أخبرتُ الأستاذَ محمود سالم أنني آمنتُ بوجود لوزرة وتختخ أكثر مما آمنتُ بوجوده هو نفسه، فابتسم وقال: “إذن فقد نجحتُ.”
هذا الرجل الطيب، الذي رحل عنًا في مثل هذا الشهر (24 فبراير) قبل عامين، هو الذي صنع صندوق طفولتنا. لنخبئ فيه اللُّعبَ والذكريات والأحلام، وندسُّ فيه المغامرات الصغيرة والحيل الماكرة، التي كنّا نُحيكها بعيدًا عن عيون الأمهات التي لا تغفل.
طار الأستاذ الذي كنّا نسهر على بابه، المفتوح على باب طفولتنا، أول كلّ شهر لكي نفوز بعدد جديد من ألغاز “المغامرون الخمسة”، فيتخيّل كلُّ طفل منّا أنه “سادسُ المغامرين” وأنه، مثلهم، صديق الكلب “زنجر”، وخصيم الشاويش العصبي “فرقع”، الذي اكتسب هذا اللقب بسبب قولته الشهيرة: “فرقعوا من أمامي”، التي كان ينهر بها المغامرين، كلما وصلوا بذكائهم الطفولي إلى حل “اللغز” المُحيّر، قبل أن يصل إليه هو، رجل الأمن، لأنه يفكر بطرق تقليدية للإيقاع بالمجرم، في حين يصل الصغارُ النابهون إلى المجرم بأساليبهم الذكية والبرئية في آن.

كبرتُ، ولم يكبروا، لأنهم عابرون للزمن، مثل صانعهم الجميل قال لي قبل عامين وأنا أتوسّل إليه لكي يوافق على تركيب صمام الأورطى في قلبه الموجوع: “أنا عشت كتير يا حبيبتي، وشفت كل حاجة هنا، خليني أشوف فيه ايه هناك!”
أستاذي العزيز، طِرْ ما شاء لك الطيرانُ، فلن تحلّق بعيدًا عن قلوبنا.
***
* من لغز “الساعة السادسة” |سلسلة “المغامرون الخمسة” | محمود سالم | دار المعارف | الثمن 40 قرشًا.
الحوار المتمدن-العدد: 4753 – 2015 / 3 / 19 – 11:29

فاطمة ناعوت

سبق ونشرت “الشاميات” هذه المادة بتاريخ 31 مارس 2015

(Visited 18 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …