في تسمية الأيام

احتاج الإنسان -منذ القدم- إلى تقسيمات زمانية، ليستطيع -من خلالها- تنظيم أموره الحياتية وترتيب شؤونه، وليصبح قادرًا على معرفة حدوث التواريخ المهمة؛ فكان البابليون أول من قسم الأسبوع إلى سبعة أيام،في تسمية الأيام واعتمد علماؤهم الفلكيون على القمر والشمس لتقسيم السنة، لكنهم أرادوا تقسيمات تكون بفترات أقل؛ لذلك، أوجدوا الأسبوع، وقسموه إلى سبعة أيام، بحسب الكواكب الخمسة (المريخ وعطارد والمشتري والزهرة وزحل) التي كانوا يعرفونها ويرصدونها، إما بأعينهم المجردة، وإما بواسطة زقوراتهم (الزقورة: بناء هرمي للتعبد ورصد النجوم والكواكب)، إضافة إلى القمر والشمس.

يورد فراس السواح في كتابه (لغز عشتار) أن سكان بلاد الرافدين كانوا يعدّون تمام البدر يومًا تحيض فيه عشتار، وتستريح من كل أعمالها؛ لذا، فقد ارتبطت بهذا اليوم مجموعة من المحرمات، كالشروع في السفر وأكل الطعام المطبوخ وإشعال النار؛ وهي الأمور نفسها التي تستريح منها المرأة الحائض، وقد دعي هذا اليوم بيوم “السباتو” أي يوم الراحة، وكانوا يحتفلون به كل شهر، ثم مرة في كل ربع من أرباع الشهر القمري، وعنهم أخذ اليهود هذه العادة أيام السبي؛ فجعلوا يوم السبت يوم راحة للرب، فيه استراح من عناء الخلق، ودعوا ذلك اليوم بيوم “السباث”، وفرضوا على أنفسهم فيه محرمات مشابهة، ما زالت تسيطر على سلوكهم حتى اليوم.

نرى في النص السابق الدليل على طريقة تقسيم الأسبوع إلى سبعة أيام، فقد كان الاحتفال بيوم “السباتو” مرة في الشهر، بحسب حركة القمر، ولكن لاحقًا احتفلوا به مرة في كل ربع من أرباع الشهر القمري؛ أي: كل سبعة أيام، وهي مقدار الأسبوع.

ولقد درج العرب على عادة غيرهم من الأمم السابقة في هذا التقسيم، وجاء في المعاجم العربية أن اليوم: معروف مقداره من طلوع الشمس إلى غروبها، لكنهم سموها أسماء أخرى، ويذكر البيروني أن أيام العرب لم تكن مفردة، فقد كانوا يسمون كل ثلاث ليال اسمًا منفردًا، ولاحقًا أصبحت مفردة لكل يوم.

ونرى في صبح الأعشى ثلاث روايات لتسمية الأيام:

الأولى، ما نطقت به العرب المستعربة من ولد إسماعيل، وجرى عليه الاستعمال إلى الآن: وهو الأحد والإثنان والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت. والأصل في ذلك ما روي عن ابن عباس: إن الله خلق يومًا واحدًا فسماه الأحد، ثم خلق ثانيًا فسماه الإثنين، ثم خلق ثالثًا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعًا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسًا فسماه الخميس. ولا ذكر في هذه الرواية للجمعة والسبت.

ويوم الجمعة لتتم هذه الرواية اختُلف في تسميته، فقال النحاس: لاجتماع الخلق فيه، وقيل سميت بذلك في الجاهلية، واحتج له بما حكاه أبو هلال العسكري في كتابه الأوائل من أن أول من سمى الجمعة هو كعب بن لؤي؛ ذلك، لأنه جمع قريشًا وخطب فيهم، وكانوا لا يعرفون -قبل ذلك- إلا العَروبة، وقيل سمي بذلك في الإسلام؛ لأن الأنصار قالوا: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه بعد كل ستة أيام، وللنصارى كذلك، فهلموا نجعل يومًا نجتمع فيه، نذكر الله تعالى ونصلي، فقالوا: يوم السبت لليهود والأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة لنا، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة الأنصاري، فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكّرهم، وسموه يوم الجماعة لاجتماعهم.

والسبت معناه القطع، بمعنى أنه قطع فيه الخلق، على رأي من رأى أن السبت آخر أيام الجمعة، والنحاس قال: إنه مشتق من الراحة، وقول النحاس -هنا- يشير إلى الرواية البابلية السابقة الذكر، لكن من دون ذكرها.

والرواية الثانية، ما يروى عن العرب العاربة، من بني قحطان وجرهم الأولى، أنهم كانوا يسمون الأحد أولًا؛ لأنه أول أعداد الأيام، والاثنين أهون؛ أخذًا من الهون والهوينى، والثلاثاء جبارًا؛ لأنه جبر به العدد، والأربعاء دبارًا؛ لأنه دبر ما جبر به العدد، بمعنى أنه جاء دبره، والخميس مؤنسًا؛ لأنه كان يؤنس به لبركته، والجمعة العَروبة، وفي لغة شاذة بغير ألف ولام، ومعناه اليوم البيّن، من قولهم: أعرب إذا أبان.

أما الرواية الثالثة، فما حكاه النحاس عن الضحاك من أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ليس منها يوم إلا له اسم أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت، وقد حكى السهيلي أن الأسماء المتداولة بين الناس -اليوم- مروية عن أهل الكتاب، وأن العرب المستعربة لما جاورتهم أخذتها عنهم.

وهذه الرواية يدعمها الطبري الذي أورد في تاريخه أن أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، هي أسماء الأيام الستة التي خلق بها الله الأرض.

قديمًا كانت العرب تتفاءل بالأيام؛ فجعلت كل يوم لقضاء حاجة ما، فقد ورد عن جعفر الصادق أن: السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وعمارة، ويوم الاثنين يوم سفر وتجارة، ويوم الثلاثاء يوم إراقة دم وحرب ومكافحة، ويوم الأربعاء يوم أخذ وعطاء، ويقال يوم الخميس يوم نحس مستمر، ويوم خميس يوم دخول على الأمراء وطلب الحاجات، ويوم الجمعة يوم خلوة ونكاح.

الأيام الإنكليزية

أما الأيام باللغة الإنكليزية، فمأخوذة من “الأنغلوسكسون” الذين سموا الأيام بأسماء آلهتهم، مع تشابه واقتباس من الرومانية؛ والتي تعود -بدورها- إلى تشابه مع البابليين في نسب الأيام إلى الكواكب، فيوم السبت (Saturday) أصله روماني يعني يوم زحل؛ وهو “ساتورن” عند الرومان رب النبات والحصاد، ويوم الأحد (Sunday) أصله من الرومان الذين جعلوه يوم الشمس، مشتق من الإله البابلي سن؛ إله القمر. هنا نجد التحوير الذي نقله الرومان من القمر إلى الشمس. يوم الإثنين (Monday) يوم القمر، والثلاثاء (Tuesday) من الإله الإسكندنافي tyr””، وهو إله الحرب عندهم، ويقابله في الرومانية “Mars dau”، أي: يوم المريخ، وهو إله الحب الروماني. أما الأربعاء (Wednesday)، فكان في الرومانية يوم عطارد، إله التجارة، والخميس (Thursday) من الإنكليزية القديمة للإله “”thur عند الرومان، وهو كوكب المشتري جوبيتر، فقد كان لدى الاسكندنافيين القدماء يوم مقدس للإله ثور، فيه تُعقد الزيجات، وبقي اسم ذلك الإله يطلق على يوم الخميس في اللغات الأوروبية، كما هو الحال في اللغة الإنكليزية التي تطلق على الخميس اسم (Thur,sday)، أي: يوم الثور، بينما الجمعة (Friday)، فمن الإنكليزية القديمة يوم “Frigga”، إلهة الحب والصحة القديمة.

سنان غانم ساتيك
كاتب سوري، له أبحاث ومقالات لغوية وثقافية منشورة

جيرون

(Visited 13 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

آخر مصنّعي الأحذية الخشبية في هولندا يدافعون عن فنهم

آخر مصنّعي الأحذية الخشبية في هولندا يدافعون عن فنهم

بعدما كانوا بالآلاف قبل بضعة عقود فقط، لم يعد في هولندا سوى حوالى ثلاثين حرفيا …