الرئيسية / دايجست / محطة القطار التي غيرت مصير أمة

محطة القطار التي غيرت مصير أمة

كان يوما مطيرا وعاصفا في محطة قطارات بيترماريتزبرغ التي تبعد ساعة عن مدينة دوربان، الميناء الرئيسي بجنوب أفريقيا، وكانت محطة القطارات المبنية بالطوب الأحمر على طراز العصر الفيكتوري تبدو هادئة. أحكمت المعطف حول جسدي ورحت أتخيل الأحداث التي شهدتها هذه المحطة في إحدى الليالي الفارقة في التاريخ منذ أكثر من قرن مضى.محطة القطار التي غيرت مصير أمة

DINODIA PHOTOS/GETTY IMAGES

في السابع من يونيو/حزيران 1893، كان موهنداس كرمشاند غاندي المحامي الشاب آنذاك يستقل القطار من مدينة دوربان إلى بريتوريا نيابة عن موكله التاجر دادا عبد الله. وعندما توقف القطار في مدينة بيترماريتزبرغ، أمره محصل التذاكر بالانتقال من عربة الدرجة الأولى من القطار، المخصصة لذوي البشرة البيضاء، إلى العربة المخصصة للركاب الأدنى منزلة. وعندما رفض غاندي الانتقال وأراه تذكرة الدرجة الأولى التي كان يحملها، طرده محصل التذاكر عنوة من القطار.

ووضعت لافتة على رصيف المحطة في نفس الموقع الذي شهد طرد غاندي وإلقاء أمتعته من القطار، وكتب عليها: “هذه الواقعة غيرت مجرى حياته”.

وأمضى غاندي هذه الليلة الشتوية الباردة في غرفة الانتظار الصغيرة من المحطة دون تدفئة. وكتب غاندي في سيرة حياته “قصة تجاربي مع الحقيقة”: “لم أجرؤ على طلب معطفي من الحقيبة خشية أن أتعرض للإهانة مرة أخرى، فجلست أرتجف من البرد”.

انتقل غاندي إلى جنوب أفريقيا من مومباي في عام 1893 بعد قبول منصب بعقد لمدة عام في شركة هندية تقع في مستعمرة ناتال في إقليم ترانسفال الذي استوطنه البوير (أحفاد المستعمرين الهولنديين والفرنسيين البروتستانت الهوغونوت الذي وفدوا إلى الإقليم في القرن السابع عشر).

كانت ترانسفال تضم جالية هندية ضخمة قبل وصول غاندي بعقود، إذ أبرمت حكومة ترانسفال في عام 1860 اتفاقية مع الحكومة الهندية، وعدت بموجبها بتوطين المهاجرين الهنود في ترانسفال في مقابل تشغيلهم في حقول قصب السكر بالإقليم بعقود ملزمة محددة المدة تتضمن شروطا تعسفية، على أن ينالوا حريتهم عند حلول الأجل المحدد بالعقد.

لكن الهنود لم يتمكنوا من الانصهار في المجتمع، حتى بعد انتهاء مدة التعاقد، إذ كانت حكومة الأقلية البيضاء تفرض ضرائب إضافية على المواطنين الهنود الوافدين.

ولم يكد يمضي وقت طويل على وصول غاندي إلى جنوب أفريقيا، حتى تعرض للتمييز العنصري. فقبل أيام من واقعة القطار، انسحب غاندي من إحدى قاعات المحاكم في مدينة دوربان بعد أن أمره القاضي بخلع عمامة السيخ.

لكن لحظة طرده من القطار في محطة بيترماريتزبرغ كانت نقطة التحول التي أيقظت حماسة غاندي، ودفعته إلى خوض غمار الكفاح ضد التمييز العنصري الذي عانى منه بنفسه. وذكر في كتاب “قصة تجاربي مع الحقيقة”: “لن أعود أدراجي إلى الهند جارا أذيال الخيبة. إذ لم تكن المعاناة التي تجرعتها سوى عرض لمرض التحيز العنصري المتجذر في المجتمع. ولابد أن أحاول بقدر المستطاع أن أستأصل شأفة المرض مهما كلفني الأمر من عناء ومشقة”.

تقول شايني برايت، مرشدة سياحية في المدينة: “كانت هذه اللحظة هي لحظة اليقظة، فقد كان غاندي قبلها هادئا ورصينا”.

ومنذ واقعة بيترماريتزبرغ، لم يتهاون غاندي مع التعصب. وقرر أن يعارض السياسات التمييزية بالطرق السلمية، بتنظيم اضرابات ومسيرات لمواجهة النظم الانتخابية المتحيزة وأوضاع العمل المجحفة.

ورأى غاندي أن بقاءه في جنوب أفريقيا سيعينه على مراقبة أشكال الاضطهاد العرقي ومحاربته. ومن رحم كفاحه السلمي، ولد مبدأ “الساتياغراها” الذي يعني “التمسك بالحقيقة”، ويهدف إلى إقناع الخصم واستمالته إلى صفك وتحقيق توافق بين الطرفين المتناحرين دون اللجوء إلى العنف.

وفي عام 1907، أصدرت حكومة ترانسفال القانون المعدل للقانون الأسيوي الذي يلزم الأسيويين في المستعمرة باستخراج شهادات لتسجيل الهوية. وشرع غاندي في تنظيم مسيرات سلمية مع بني جلدته احتجاجا على القانون.

وبالرغم من أن غاندي أعتقل أربع مرات على خلفية المقاومة، إلا أنه نجح في نهاية المطاف في التفاوض مع حكومة الأقلية البيضاء. وأسفرت المفاوضات عن تمرير قانون إعفاء الهنود في عام 1914، الذي ينص على إلغاء الضرائب الإضافية التي كانت مفروضة على المواطنين الهنود في حال عدم تجديد عقود العمل الإلزامية والاعتراف بشرعية الزيجات الهندية.

وتبنى غاندي لدى عودته إلى الهند عام 1914، أساليب المقاومة السلمية “ساتياغراها”، في نضاله ضد التجنيد الإجباري الذي فرضته بريطانيا على الهنود إبان الحرب العالمية الأولى، وعند التفاوض على إنهاء الاحتلال البريطاني للهند، وتمخضت المفاوضات عن استقلال الهند رسميا في عام 1947.

ألهمت أساليب المقاومة السلبية التي تبناها غاندي مارتن لوثر كينغ الابن ونيلسون مانديلا في مسيرتهما النضالية. وأشاد مانديلا بفضل غاندي في تحرير مدينة بيترماريتزبرغ، قائلا: “كان لقيم التسامح والاحترام المتبادل والوحدة التي دافع عنها غاندي بشراسة أثر عميق في حركة تحريرنا وفي توجيه مسار تفكيري”.

واليوم غدت محطة بيترماريتزبرغ وجهة للهنود للتعبير عن تقديرهم لغاندي في ذات البقعة التي شهدت طرده من القطار. وكتب رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، في دفتر الزوار بالمتحف، أثناء زيارته للمدينة عام 2016: “شهدت مدينة بيترماريتزبرغ واقعة غيرت مجرى تاريخ الهند”.

وتحتضن الآن غرفة الانتظار الصغيرة متحفا يسرد قصة هذه الليلة في عام 1893 والعقدين اللاحقين الذين قضاهما غاندي في جنوب أفريقيا. واكتست جدرانها بالألواح التثقيفية والشاشات التفاعلية وصور بالأبيض والأسود لغاندي وهو يرتدي معطف المحاماة.

أعادتني مدينة بيترماريتزبرغ بمبانيها ذات الطراز الفيكتوري، زمنا إلى الوراء وكأني أسمع صوت قطار غاندي وهو يصل إلى المحطة. وأغرورقت عيناي بالدموع عندما تخيلت غاندي جالسا على مقعد خشبي يعقد العزم على خوض الكفاح الذي غير حياته وحياة الملايين.

وفي يونيو/حزيران عام 2018، بالتزامن مع مرور 125 عاما على هذه الواقعة، زارت وزيرة الخارجية سوشما سواراج محطة بيترماريتزبرغ في قطار عتيق الطراز وأزاحت الستار عن تمثال لغاندي على رصيف المحطة.

وأطلق على هذا التمثال الذي نُحت في متحف المهاتما غاندي في حيدر آباد بالهند، “بزوغ مبدأ ساتياغراها”.

وتضم الآن جنوب أفريقيا أكبر جالية هندية في القارة الأفريقية، ويظهر تأثيرهم واضحا في شتى أرجاء البلاد. ويدير اليوم الجيل الثاني والثالث للمهاجرين الهنود في جنوب أفريقيا شركاتهم الخاصة ويشغلون مناصب حكومية ويشاركون في الفرق الرياضية القومية لجنوب أفريقيا، ويعود الفضل في كل ذلك إلى تلك الليلة الفارقة في محطة بيترماريتزبرغ.

كالبانا سوندر
30 مارس/ آذار 2019
بي بي سي
BBC

 

(Visited 8 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

لماذا يضع قراصنة واتسآب في إسرائيل أعينهم على إيران؟

حان الوقت للوصل بين عدد من النقاط: قرصنة الواتسآب، وتخريب سفن نفط، واندفاع الولايات المتحدة …