الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / «مخلوقة عذبة»: كافكا وبريخت في عمق الروح الروسية

«مخلوقة عذبة»: كافكا وبريخت في عمق الروح الروسية

منذ بدايته وحتى لقطاته الأخيرة، يلعب فيلم «مخلوقة عذبة» (كروتكايا) للمخرج الروسي المقيم والعامل اليوم في ألمانيا، سيرغاي لوزنيتسا، على مقدار كبير من الالتباس.من «مخلوقة عذبة» سيرغاي لوزنيتسا بل إن الالتباس يبدأ منذ خلق المشروع، إذ إن المُعلَن كان اقتباساً عن قصة دوستويفسكي القصيرة «إمرأة عذبة»، ولكن على خطى الفيلم الذي حققه الفرنسي روبير بريسّون إنطلاقاً من قصة الكاتب الروسي الكبير في آخر سنوات الستين. غير أننا إن أمعنا في فيلم عام 2017 في شكل جيّد، قد نجد أنفسنا أمام لغة سينمائية وربما في مواجهة إدارة للممثلة الرئيسية في الفيلم، ينهلان حقاً من بريسّون، ولكن من دون أدنى أثر لدوستويفسكي، على الأقل منذ أن نتجاوز الدقائق العشر الأولى من الفيلم. وفي الحقيقة أننا بعد ذلك، قد نجد أنفسنا وسط عوالم تزاوج بين كافكا وغوغول إن شئنا البقاء عند المصادر الأدبية. أما إذا شئنا التوسّع في الإحالات فلربما يصح أن نقول إن هذا الفيلم الذين ينطلق من دوستويفسكي ليصل إلى كافكا وغوغول، سينتهي على أمثولة بريختية فاقعة في ربع الساعة الأخير منه.
ولكن بعد هذا كله، وإلى جانب هذا الالتباس الأدبي والمرجعي، سوف نجد أنفسنا في مجرى «مخلوقة عذبة» أمام التباس من نوع آخر، أكثر أهمية بكثير وأكثر تاريخية في مرجعيته. فلوزنيتسا، الذي يبدو واضحاً في هذا الفيلم أنه يحتفل على طريقته بالذكرى المئوية للثورة البولشفية (1017- 2017)، خلط الأزمنة في شكل يغيب فيه الزمن الحقيقي الذي تحدث فيه الحكاية التي يقدمها الفيلم. وهو خلط من الواضح أنه مقصود ما يعطي الفيلم راهنية سياسية ذات دلالة. وقد يزيد من دلالتها تلك المشاهد العابقة بالحنين حتى إلى الأزمنة الستالينية، مقدَّمَة هنا من خلال ذلك الشجن العميق المعهود في الروح الروسية. شجن وحنين يتضافران معاً منطلقين من دوستويفسكي لرسم صورة أخّاذة، قبل كل شيء، للروح الروسية التي تشغل قسطاً كبيراً من أجواء الفيلم. ولكن عمّ يتحدث «مخلوقة عذبة» بعد كل شيء؟

رحلة إمرأة
عن إمرأة. إمرأة حسناء تطل علينا أول الفيلم قادمة من حيث تعمل، إلى حيث تعيش في كوخ متفرد في برية كئيبة. واضح أنها تفعل كل ما تفعله أمامنا في رتابة يومية ليس فيها مفاجآت. غير أننا سوف نكتشف بعد قليل أن كآبتها إنما ناتجة عن عيشها وحيدة بعد أن سُجن زوجها لجريمة يصرّ هو على أنه لم يرتكبها. هو في السجن الآن. أو هذا هو الأمر المنطقي. لكن الذي يحدث حين تعود السيدة إلى بيتها لأنها تجد رسالة من دائرة البريد تبلغها بأن الطرد الذي كانت أرسلته إلى السجن قد أُعيد إليها لعدم العثور على المرسل إليه. وبالتالي عليها أن تحضر إلى مركز البريد لاستعادة الطرد ودفع بدل مالي عن ذلك. صحيح أن هذه التفاصيل الإدارية تبدو مزعجة لكن الأهم من هذا والأكثر إزعاجاً سيكون: أين هو الزوج إذاً؟ أين تبخر؟
وما الفيلم منذ تلك اللحظة سوى مسعى تقوم به الزوجة أول الأمر ضد البيروقراطية لمجرد استعادة الطرد الذي يضم أصلاً بعض الأطعمة والألبسة. ثم بعد ذلك ضد السلطات في مبنى السجن الرهيب في أصقاع سيبيريا للعثور على أثر لزوجها. وبين إدارة البريد والسجن، رحلة طويلة وشاقة في القطار حيناً وفي سيارات الأجرة أحياناً، هي تلك الرحلة التي تقوم بها المرأة- التي لن نعرف اسمها أبداً-. لكنها في الحقيقة، بمقدار ما هي رحلة جغرافية تنقلها من مكان إلى آخر، هي في الوقت ذاته رحلة في التاريخ، ولكن أكثر من هذا وذاك رحلة في الروح الروسية، رحلة في ذلك الشجن الروسي الذي يبدو واضحاً أن لا علاقة له بأية لحظة راهنة محددة.
ومن هنا بمقدار ما تتقدم تلك «المخلوقة العذبة» في رحلة البحث عن زوجها، تتطور لقاءاتها بأنماط من مواطنين في تسجيل واقعي. بيد أن هذه الواقعية التي يقدمها سيرغاي لوزنيتسا في القسم الأوسط من فيلمه في شكل يذكرنا في كل لحظة بأننا نعرف من أعمال هذا المخرج الخمسيني، في شكل خاص، أعمالاً وثائقية يعتبر بعضها («ميدان» و «أوسترليتز») من تحف الإنتاج الوثائقي السياسي الأوروبي في السنوات الأخيرة، هذه الواقعية إذا كانت قد احتلت بعد الربع الأول من الفيلم، المكان الذي كانت شغلته بيروقراطية المشاهد الأولى الكافكاوية أو الغوغولية، ستجد لزاماً عليها بعد ذلك وإذ شارف الفيلم- وبالتالي رحلة «مخلوقته»- على النهاية، أن تخلي المكان لرؤيوية يتوسطها مناخ بريختي مسرحي ينهي الفيلم. ففي تلك المشاهد الأخيرة والمشغولة بحس ساخر كما الحال في مسرح الأقنعة التغريبي الذي يسم إحدى أكثر مراحل مسرح برتولت بريخت غنى وقوة، يجتمع عدد كبير من الشخصيات التي كانت قد مرت بنا، وببطلة الفيلم خلال رحلتها، في قاعة ينشدون فيها أغاني البطولة والثورة وهم يرتدون ملابس مسرحية زاهية، وأقنعه يمكن تأويل معانيها، متبرّجين كما في حفل تنكري ليُقدّموا لنا بوصفهم الحاكمين بأمرهم وهم خليط من شتى الطبقات والنماذج… إنهم هنا يكافئون بعضهم بعضاً ويثنون على بعضهم بعضاً، كل هذا فيما «المخلوقة» تشاهدهم بسلبية تامة وهي تأمل بأن تكون نتيجة ذلك الاحتفال استعادتها زوجها، أو على الأقل التقاط خيط ما يقودها إليه، أو على أقلّ الأقل معرفة شيء عن مصيره. بيد أن لا شيء من هذا سيحدث. ففي هذه الأمثولة عن الروح الروسية وعن مصير هذه الروح، عن الثورة الروسية والمصير الذي آلت إليه هذه الثورة. وحتى عن الحرية الروسية وأين تبخرت هذه الحرية، ليس ثمة من مكان للنهايات السعيدة. ومن هنا فإن «مخلوقتنا» التي كانت قد نجحت في القيام برحلتها الطويلة وهي صامتة هادئة تتقبل كل ما يحدث لها تماما كما حال إمرأتي دوستويفسكي وبريسّون «العذبتين»، ستلقى جزاءها على ما فعلت ومكافأتها على صبرها الطويل، ضرباً مبرّحاً واغتصاباً ومهانة في تلك الروسيّا التي لن نعود واثقين من الزمن الذي نزورها والفيلم فيه. فالروح هي روح كل الأزمنة والسجن هو سجن يكاد ينتمي إلى الأزمنة السحيقة، والآخرون، كل الآخرين، كان يمكن أن نلتقيهم في أي زمن روسي آخر وفي كل الأمكنة الروسية الأخرى. فهل لا يبدو لنا واضحاً ما يريد لوزنيتسا أن يقوله لنا في هذا الفيلم/ الأمثولة؟
بالتأكيد هو ما كان قد قاله لنا في تحفته الروائية الأولى «يا لسروري» (2010) أو «في الضباب» (2012) وهما فيلمان يمكن أن نقول اليوم إنهما يشكلان مع «مخلوقة عذبة» ثلاثية متكاملة عن «روسيا الفالتة من كل مكان وزمان» يقترحها هذا المخرج المولود في أوكرانيا عام 1964 والذي اشتهر بأعماله الوثائقية بمقدار ما اشتهر بأفلامه الروائية التي يوصلها الأخير، والذي نحن في صدده هنا، إلى أوجها.

إبراهيم العريس
الحياة

(Visited 12 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

مجتمع روسي قاس و"بلا حب" في مهرجان كان

مجتمع روسي قاس و”بلا حب” في مهرجان كان

بعد اختيار “نفي” ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان في 2007، ثم فوز “إيلينا” بالجائزة الخاصة …