الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / قصة / ممدوح حمادة – البالوعة

ممدوح حمادة – البالوعة

عام 1995 كان لي صديق يسكن في شقة كانت لعمه، وعمه هذا كان بعثيا عراقيا ويعيش في العراق او ربما في دولة اخرى ولكنه كان من جماعة بعث العراق،Mamdouh Hamada - ممدوح حمادة انتبهت اجهزة الأمن للموضوع وقامو بمصادرة الشقة واصبح صديقي في الشارع هو وعفش بيته المتواضع، وكنت انا استأجر شقة ايجارها مرتفع لدرجة أن كل الراتب الذي كنت اتقاضاه في مركز الزهرة للدوبلاج يذهب عن بكرة ابيه ايجارا للشقة اما طعامي فقد يأتيني اسبوعيا على شكل دعم انساني من عند الوالدة اطال الله في عمرها كانت ترسله لي في سطلين بلاستيكيين كبيرين بحيث يكفيني كل الأسبوع، ولهذا فقد كنت ابحث عن شقة ارخص، ولكن بعد ما حدث مع صديقي اتفقت انا واياه بان يسكن معي ويدفع نصف الأجرة، وكانت الشقة خالية من الأثاث فاستوعبت اثاثه كاملا واصبح عندي سرير.

مشكلة صديقي انه كان عاطلا عن العمل، ولم يكن لديه ما يدفعه، ولذلك استمريت في دفع الايجار بمفردي واستمر تدفق الدلاء من عند الوالدة كل اسبوع وظهرت اصناف جديدة من عند اهله ايضا كانوا يزودونه بها اسبوعيا، بكلام آخر انضمامه الي لم يحل مشكلتي بل زادها تعقيدا، خاصة وان صوته على الهاتف يشبه صوتي وكلما اتصل احد وقام هو بالرد وقال انني غير موجود يظن المتصل انني اتهرب منه، المهم انا وقتها كنت اضافة الى عملي في مركز الزهرة اعمل مراسلا لاحدى الصحف العربية، ففكرت بأن صديقي المنوه عنه اعلاه خريج نقد مسرحي يعني فطحل في الثقافة ويفترض ان يكون لديه القدرة على الكتابة في الصحافة، فسالت مدير المكتب إن كان هناك امكانية لكي يكتب صديقي للجريدة مواد في تخصصه فقال (اهلا وسهلا ليكتب في اي اختصاص يريد)، كان رده مفرحا بالنسبة لي، فهذا يعني انني سابدا بتقاضي نصف الايجار قريبا، كما فرح صديقي لانه وجد عملا ، وباشر بكتابة اول مادة له، وبعد ايام سالته (وين صرنا؟) فقد كان ذلك يهمني كما يهمه، لانني اعرف مسبقا ان نصف أجره عنها سيعود لي، فرد صديقي قائلا : ( فرجيتها لفلان وحط بعض الملاحظات، عم صلحها) وفلان كان صديقا ثالثا لنا يعمل في صحافة أخرى، وهو ايضا خريج قسم النقد، مضى اسبوع فسالته ( شو صلحت المادة؟) فأجاب ( صلحتها.. بس شافها فلان وحط بعض الملاحظات… ) وفلان هو نفسه صديقنا الذي وضع الملاحظات في المرة الأولى، وبدوري كنت انقل كلامه لمدير المكتب الذي كان يسالني عنه، استمرت عملية المراجعة والتصليح ربما اسبوعين او اكثر، كلما كتب يعرضها على صديقنا الثالث الذي يشذبها له، واخيرا طلب مني مدير المكتب ان أدعوه لشرب فنجان من القهوة، وهكذا فعلت، وعندما كان صديقي يرشف القهوة طلب منه مدير المكتب ان يريه المادة فناوله اياها وقال له: (بكرا بتكون عندك جاهزة انشالله، بس لصحح الملاحظات) ولكن مدير المكتب وضع المادة فوق دستة اوراق على طاولته وقال له ( بكرا بتقراها بالجريدة) خاف صديقي وقال (طول بالك خليني بالاول زبطها) فقال له ( مشان شو؟ لا انا رح اقراها ولا حدا بالجريدة رح يقراها ولا القراء رح يقروها مشان شو بدك تصلح، يا ابني هي بالوعة هي .. عمرك شفت حدا بيذوق المي قبل ما يكبها بالبلوعة؟) واستسلم صديقي، وسافرت انا في اليوم التالي وغبت لمدة شهر خارج البلد، وعندما رجعت، توجهت الى مكتب الجريدة فاستقبلني مدير المكتب مهللا وقال: (اي شو هالصديق اللي عندك، بلدوزر ما شالله عنه.. بغيبتك صرنا ناشرينله خمسة وعشرين مقالة)، واصبح صديقي منذ ذلك اليوم يدفع نصف الاجرة.

 

الكاتب الصحفي

ممدوح حمادة

Mamdouh Hamada

(Visited 77 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

Mamdouh Hamada - ممدوح حمادة

ممدوح حمادة: فصل في الجحيم أو الصف الخامس

في الصف الخامس انعم علينا بمدرس كان ضابطا سرح لتوه من الجيش تسريحا تعسفيا، عاملنا …