الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / قصة / ممدوح حمادة: فصل في الجحيم أو الصف الخامس

ممدوح حمادة: فصل في الجحيم أو الصف الخامس

في الصف الخامس انعم علينا بمدرس كان ضابطا سرح لتوه من الجيش تسريحا تعسفيا، عاملنا معاملة لايمكن وصفها بانها معاملة الضابط لجنوده،Mamdouh Hamada - ممدوح حمادة لقد كانت اقرب الى معاملة المحارب الظافر لاسراه من جيش العدو.
قبل كل شيء كان يحرمنا من الفرصة بين الحصتين فلم نكن نستطيع ان نشرب او نقضي حاجتنا، والويل لك ان رفعت اصبعك لطلب الاذن ولذلك كنا نرضي بما ابتلانا به القدر صاغرين، في احدى المرات لم يتمكن رشيد من الاحتمال اكثر فلف ورقة على شكل (بورية) وفعلها فيها ثم جعلها تتكئ على رجل المقعد لكي يخرجها بعد انتهاء المحنة اليومية، ولكن البورية انقلبت وسالت افعى الماء لتظهر من تحت المقاعد ويستقر راسها عند قدمي الاستاذ الذي رفع بدوره رأسه باتجاه الطلاب وفي عينيه نظرة مفترس من المفترسات فشاهد تيسير الذي يجلس خلف رشيد وقد مد يده وقلب سبابته واخذ يهزها فوق راس رشيد الذي كانت دهشته كبيرة من قدرات الاستاذ الخارقة في اكتشاف الفاعل من مجرد نظرة، بعد القتلة فقط تمكن من معرفة الحقيقة من كميل الذي كان قرب تيسير ووشى به في اذن رشيد.
الأستاذ ايضا كان لديه عقوبات غريبة من نمط ان تكتب درس العلوم خمسين مرة ولذلك كان الجميع يلعبون ونحن نكتب وعندما يعود الاخوة وابناء الجيران من اللعب كانو يساعدوننا في كتابة الدرس كل بحسب ما تمليه عليه شهامته من النسخ.
كذلك لم يتوان هذا الاستاذ عن جعلنا نزحف في الوحل، وكثيرا ما نصح اولياء الأمور الذين استدعاهم لسبب ما:
– هذا لا يصلح لشيء، اشتر له صندوق بويا وخليه يقعد بساحة السير.
اولياء الامور لم يكونوا اقل سادية منه، فقد كان الجميع يردون:
– اللحم الك والعظم النا.
وهكذا كانت تسير الامور.
مرة كتبت موضوع تعبير اعجبه كثيرا لدرجة انه ذهب الى الاستاذ حسن في الصف الرابع واطلعه على الموضوع، فما كان من الاستاذ حسن الا ان اطلعه على موضوع كتبه احد تلاميذه المجتهدين عن عيد الشجرة وكان اسم التلميذ جمال، عاد به استاذنا وجعله يقرأ علينا موضوعه بنبرة لا تخلو من الغطرسة والعنجهية، ثم بعد ذلك صفعني الاستاذ بدفتري وقال:
– هكذا تكتب مواضيع التعبير.
أغرب عقوبة تعرضنا لها كانت حين اخرجنا الى الساحة وجعلنا نركع جميعا، ثم امرنا بشبك ايدينا خلف رؤوسنا، الى هنا لم يكن في الامر غرابة بعد، الغرابة جاءت بعد ذلك بدقيقة تقريبا حين غاب خلف ظهورنا الى جهة مجهولة ولم نكن نملك الجرأة للنظر في اثره، ثم عاد ومعه تلاميذ الصف الاول وقال :
– بَزّقوا عليهن.
تلاميذ الصف الاول حولوها الى مهرجان للتبزيق، وصار كل منهم يتراجع الى الخلف ويستعد كما لو انه يريد تنفيذ ضربة جزاء، ثم يهجم ويبصق باقصى ما يستطيع من قوة وباغزر ما اوتي به من لعاب.
لم يكن ذلك الصف هو الخامس، لقد كان فصلا في الجحيم.

 

ممدوح حمادة

(Visited 20 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

Mamdouh Hamada - ممدوح حمادة

ممدوح حمادة – البالوعة

عام 1995 كان لي صديق يسكن في شقة كانت لعمه، وعمه هذا كان بعثيا عراقيا …