الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / ميخائيل سعد: إسلاميات من منظور مسيحي

ميخائيل سعد: إسلاميات من منظور مسيحي

١
بالأمس (١٩٩٠) دار حديث صاخب في الصف عن الإسلام، بدأ الحديث شاب مهاجر من هونغ كونغ، سأل بصيغة قريبة من السخرية: لماذا تضع النساء العربيات (المسلمات) الغطاء على وجوههن؟ميخائيل سعد - mikhael_saad
كنت في وضع صعب، فقد كانت معرفتي بالفرنسية وصداقتي لها لا تتجاوز الشهرين، ولا أستطع الرد الذي يشفي غليلي، ومما زاد في حنقي وغضبي عليه وعلى الآخرين، إحساسي شبه الأكيد أنهم يوافقون هذا الصيني نظرته لنا. حاولت قدر المستطاع، وبمساعدة المعلمة مغربية الأصل، أن أشرح له أن هذا شيء بسيط وعادي في حياة العرب، فقد فرضت الطبيعة الصحراوية على الأشخاص أن يضعوا النقاب على وجوههم، رجالا ونساء، حتى قبل ظهور الإسلام، لحماية عيونهم ووجوههم من الرمال والحرارة، كما أن طبيعة الصراع التي كانت قائمة بين القبائل كان تدفع الناس لإخفاء الوجه، وعندما جاء الإسلام لم يلغ ولم يؤكد هذه العادات حتى كان العصر العباسي، حيث نشأت الحاجة للتميز بين المرأة الحرة والجارية بواسطة الحجاب.
وتابعت هجومي الانتقامي من هذا الشاب فسألته: ما قولك في الصينيين واليابانيين الذين كانوا يُلبسون بناتهم الأحذية الحديدية حتى تبقى أقدامهم صغيرة، وذلك استجابة لمقاييس الجمال في تلك العصور؟ وما رأيكم في حزام العفة الذي تم فرضه على النساء الأوروبيات المتزوجات في العصور الوسطى، وخاصة زوجات الفرسان المشاركين في الحروب الصليبية؟ ثم ما رأيكم في محاكم التفتيش وحرق الناس أحياء لمجرد الشك في إيمانهم، وأحيانا لدوافع شخصية بحته مغطاة بقشور الدين؟ ثم ماذا تقولون للهنود الذين كانوا، وما يزال بعضهم حتى الآن، يقوم بحرق المرأة لأن زوجها قد توفي قبلها؟

هل هذه الأمور أسهل عليكم بلعها والصمت عنها من قبول النساء اللواتي يضعن الغطاء على رؤوسهن، أو يضعن الحجاب؟

أخيرا، منذ أشهر وأنا أتجول في مدينة مونتريال، وقد استوقفتني كثرة كنائسها، وكمسيحي أعجبني ذلك، وفي كثير من الأحيان كنت أرى تماثيل السيدة العذراء مريم أمام هذه الكنائس، وقد استغربت أن العذراء في كل صورها وتماثيلها تضع حجابا يشبه الحجاب الإسلامي، ولم أسمع أن أحدا قد احتج على ذلك!!.

٢
بعض الفصائل الإسلامية المقاتلة أصدرت بيانا أسمته “ميثاق شرف ثوري للكتائب المقاتلة”، وقد أعجبني كسوري يتابع أوضاع الثورة والمصائب التي تحل بالسوريين، ورأيت فيه خطوة هامة إلى الأمام على المستوى النظري.

ولكن لو نظرت من موقع آخر، مثلا، من موقعي المسيحي الذي يخاف من الإسلاميين، أو موقعي الماركسي الذي يقرأ حركة المجتمع من خلال الكراسات الماركسية البكداشية، أو موقعي التقدمي العلماني المرتبط عضويا بالنظام الأسدي، فسيرى في البيان حالة من الهمجية والتخلف والاستبداد الشرقي يجب القضاء عليها، أو موقعي العلوي الذي يرى في البيان وأصحابه مجرمين ووهابيين يجب حرقهم فورا.

الخلاصة، إن من نقد البيان نسي آو تناسى أن من أصدره هم مسلمون يميلون، ربما للتشدد، وخاصة أن تشددهم هو رد فعل طبيعي على تشدد آل الأسد، ومن غير المعقول والمنطقي أن نطلب من هؤلاء الإسلاميين المتشددين أن يفكروا كماركسيين أو تقدميين أو كأبناء أقليات دينية سورية. إنهم في بيانهم، كما أراه، يخطون خطوة هامة نحو سوريا الواحدة، وخطوة هامة نحو إسقاط الأسد والتعاطي مع المجتمع الدولي.

إنهم في خطابهم هذا، إذا نفذوه، يعيدون للثورة وللإسلام وللسوريين الوجه المشرق، والسلام على من اتبع الهدى.

٣
بشكل عام أنا لا أحاور، لا على صفحتي ولا على صفحات الآخرين، ربما لعجز وقصور في حجتي ومعارفي، وربما لعدم قناعتي بجدوى الحوار المبتسر والسريع الذي تقتضية صفحات الفيسبوك، وربما لأسباب أخرى، المهم أن عدم مشاركتي في الحوار لا يعني بأي شكل من الأشكال إنني لا أحترم كل الآراء الواردة، وكل حالات الاختلاف، يزعجني أن أحد المتحاورين أو أكثر يخرج عن آداب الحوار ويبدأ بتوجيهة اتهامات للآخرين دون براهين مقنعة.

ويزعجني أن يأتي أحدهم ليوجه لي النصائح، ليس لأنني لست بحاجة للنصائح، فأنا بحاجة لها حتى لو كانت من طفل صغير، وإنما لطريقة صياغة النصيحة، فهي تأتي أحيانا آمرة لا تترك أمامك أي فرصة إلا الطاعة، وأحيانا أخرى تحمل تهمة بوطنيتك، وأحيانا ثالثة تشكك في شخصيا لمجرد أنني أحمل اسما مسيحي الدلالة، ولأسباب أخرى.

إن من يحمل هما وطنيا عليه أن يتحمل الآخرين، وهذا كلام صحيح وأنا مؤمن به، ولكن على من يريد أن يسوق قناعاته لي أو لغيري أو يتحلى بدوره بحس المواطنة تجاه الآخرين، فلا يكفي أبدا أن يعتبر نفسه المواطن الوحيد، أو المؤمن الوحيد في هذا العالم.

لن يستطع طرف واحد أو فكر واحد أو دين واحد أو طائفة واحدة أو حزب واحد أن ينتصر على آل الأسد أو أن يبني سوريا لوحده، نحن محكومون بالتعاون والعمل معا، وإلا فلن ينتصر أحد إلا عصابة الأسد، ومن يعتقد أن بقاء هذه العصابة أسهل عليه من التعاون مع الآخر المختلف، فليبقَ عبدا لهذا النظام، حتى لو لم يتوقف أبدا عن الصراخ باسم الحرية.

زمان الوصل

سبق ونشرت “الشاميات” هذه المادة بتاريخ 21 مايو 2014

(Visited 13 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

سناء العاجي

سناء العاجي: “سياقة..للهاوية”

المرأة السعودية تستطيع سياقة السيارة…. لست مرتاحة للخبر. هناك أمر يشغل تفكيري بهذا الخصوص. (Visited …