الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / ميخائيل سعد: صرامي مصياف

ميخائيل سعد: صرامي مصياف

مصياف، ايام زمان، في الخمسينيات، كانت بالنسبة للقرى التي حولها هي عاصمة الدنيا كلها. هي مركز المنطقة التي تخدم عشرات القرى العلوية والمسيحية والقليل القليل من القرى السنية. وكان سوقها بالنسبة لنا، نحن ابناء الضيع، اهم من الشانزيلزيه الباريسي. ففيه كل ما يخطر وما لا يخطر على بال الضيعجي.
ميخائيل سعد - mkhael saadفي السوق كنت تجد مصلح البوابير ومبيض الطناجر والاسكافي والمنجد والنجار وبياع الحلاوة والزيت والمسلات وصانع جلالات الحمير. من بين دكاكين الخمسينيات في مصياف، كان دكان اسماعيل السكافي العبقري الذي كان يقوم بتصليح الصرامي وصناعتها. والصرماية، من لا يعرفها، هي في الاصل تصنع للفلاحين الاثرياء، من دواليب السيارات المهترئة المعروفة ب(الغوما)، بدلا عن النعل. اما وجه الصرمية. فكان من جلد البقر او الجاموس او أرخص انواع الجلد، وبالتالي الاكثر سماكة.
بالتآكيد كان على من يرتدي الصرماية المصنوعة في مصياف عند اسماعيل، ان يجهز نفسه لتحمل الآم قدميه الى ان يفقد الاحساس بهما، ويتحولان الى جزء من صرماية الغوما، ويصبح الماشي حافي ولابس الصرمية متساويان، الا في المناطق الجبلية بين السنديان والصخور، فمرتدي الصرماية، يستطيع المحافظة على لحم قدميه سليما، وهي الفائدة الوحيدة للصرماية.
وبالعودة الى مرتديي الصرماية من جيلي وأصغر، الذين يحكمون الان سوريا، يبدو انهم مثلي، لم ينسوا طعم الصرماية، وهي تحت أسنانهم حتى الان، لذلك يدمرون المدن السورية مثل حماه وحمص وادلب والمعرة والدير وريف دمشق ودرعا وريفها. انهم، بشكل مباشر وغير مباشر، على استعداد لتدمير كل الحواضر السورية، كي لا يتخلوا عن سلطة البسطار العسكري، هذا البسطار الذي قد يكون له جذر لغوي مع صرماية اسماعيل، لذلك كانت مصياف من اوائل الحواضر السورية التي جرى احتلالها وبالتالي قمعها.
اسماعيل المصيتي ( نسبة الى مصياف)، مات رحمه الله، وصناعة الصرامي انتهت في سوريا، منذ دخلنا عصر الوحدة والحرية والاشتراكية، وحلت معامل الابواط العسكرية محلها، ولن يستطيع السوري الان العثور على صرماية (غوما) الا في رآس حكام سوريا.

ميخائيل سعد

مدار اليوم

(Visited 33 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …