الرئيسية / ثقافة أدب وفنون / أقلام و آراء / يوسف بحصاص – فطور كونتيننتال

يوسف بحصاص – فطور كونتيننتال

في نهايةِ سبعينيّات القرن الماضي تم افتتاح فندق شيراتون دمشق .. يوسف بحصاص - فطور كونتيننتالوكان لا بدّ لطلاب كلية الهندسة – بفرعيها المدني والمعماري -من زيارته لرؤية هذا الصرح المعماري الجديد في طرازه المحاكي للنسيج الدمشقي 

وبعد جولة في أرجائه امتثلنا لرأي أحدِنا بتناولِ طعام الفطور في الفندق الجديد ..
جلسنا بكل أناقة على إحدى الطاولات الفاخرة وقد تزينت بمزهرية صغيرة على جانب إحدى حوافها وقد ضمت وردتين حمراوتين لزوم الأناقة والفخامة التي عُرفت بها سلسلة فنادق الشيراتون
جاء الكرسون وبيده قائمة الطعام ” المنيو ” ووزعها علينا لنختار إفطارنا .. وطبعاً كان لا بد من ابتذال البريستيج وتصنع المعرفة في أصناف الإفطار المكتوبة لنثبت لذواتنا ولمن حولنا أننا متناغمين مع الحضارة الغربية كعادة الشباب الشرقي آنذاك وكل ذاك .. فاخترنا بالإجماع .. ” فطور الكونتينيتال ”
بعد خمسة دقائق جاء الكرسون يحمل صينية صغيرة عليها وعاء يحتوي خبزاً مكبتلاً مدوراً من النوع الذي يستحضرونه ليحلفوا عليه وليس ليأكلوه … ووضع على الطاولة خمسة قطع زبدة صغيرة وخمسة علب صغيرة تحتوي مربى المشمش
تناول صديقنا سمير قطع الزبدة وعلب المربى ووضعها جميعها أمامه .. وأخذ يلتهمها الواحدة تلو الأخرى دون اكتراث منّا لأننا لا نحب أن نفسد إفطارنا ” الكونتينينتال ” الشهي بأكل الزبدة والمربى … تأخر تقديم الفطور .. وبدأنا نتكلم عن الخدمة السيئة .. هل يعقل أن يتأخر تقديم الفطور لاكثر من ربع ساعة … نادى صديقنا سمير الكرسون .. وقال له : متى سيأتي الإفطار .. فأجابه لقد أتى منذ نصف ساعة – يقصد الزبدة والمربى – ؟؟!!
كانت الخيبة كبيرة على وجوهنا .. فحدقنا بسمير الذي أكل إفطارنا .. ولكنه – وليبعد غضبنا عنه – باغتنا بالقول ” تضربوا انتوا وهيك فطور ” .. طلبنا فاتورة الحساب وخرجنا نجرّ ذيول الخيبة ودفعنا ثمن بريستيجنا وتصنعنا ..وتوجهنا فوراً إلى مطعم بوز الجدي في الشيخ محي الدين وقلنا لصاحبه ” أبو راغب ” رحمه الله : الله يخليلنا ياك يا أبو راغب .. مالنا غيرك بهالدنية …. وهو يضحك دون أن يعرف ما حلّ بنا من مكيدة الكونتيننتال
حضّر لنا زبدية فول باللبن وأخرى بالزيت واشترينا الخبز المشروح من فرن قريب وبدأنا نلتهم الفول وأبو راغب يصلح مرة إثر مرة …

واليوم وبعد أكثر من ثلاثين عاماً .. كلما ” عنّ ” على نفسي تناول الزبدة والمربى أتذكر فطور الكونتيننتال في الشيراتون .. فأضحك على تلك الخمسة وعشرين ليرة التي دفعناها عن كل شخص ثمناً لهذا الفطور التعيس .. وخرجنا كلنا جائعين

يوسف بحصاص

سبق ونشرت “الشاميات” هذه المادة بتاريخ 23 سبتمبر 2014

(Visited 194 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ميخائيل سعد - mkhael saad

لأني مواطن!

عشت في كندا 28 سنة، لم أغادرها إلا قليلاً، ولا أعرف منها، جغرافيا، إلا ثلاث …